أنا وأنت مختلفان…لكن كِلينا على صواب

194

إن أكثر ما يثير النزاعات اليوم بين فئات المجتمع التي تصنف نفسها فئات مصلحة، هو أنها لا تقبل منطق تواجد حقيقتين كلاهما صحيح يجب احترامه رغم مخالفته للصحيح في النسخة التي حفظتها وتعهدت الوفاء لها.
لو نقب الواحد منا في كيفية تحليل “المصلحين الاجتماعيين” لتصرفات الناس ممن يرونهم في طريق ضال وخاطئ، لانتبه إلى حقيقة أنهم يعتبرون ذواتهم مرجعا، منه تنبثق أصول التصرف وقواعد الحياة، ويشرعون في إنزال شخصياتهم بأنسوخ ابتاعوه من مكتبة اللاحكمة وانطلقوا يقارنون الغير بالذات، ويسطرون بالأحمر تحت كل ما بدا لهم مختلفا، ضاربين عرض الحائط احتمال أن يكون ما على الأنسوخ هو الخطأ.

في قواعد المجتمع السليم، يكون الاختلاف دوما هو القاعدة، بمختلف تصانيفه وألوانه: اختلاف الشخصيات، والألوان، والديانات، والأجناس وغيرها، كلها اختلافات صحية من دونها لا تحصل لوحة الوطن على تنوعها ولا على تشبع ألوانها بعد أن تجف، ذلك التنوع المذكور هو ما يمنح كل فرد بعينه مركزا في منتخب الوطن، والفريق الوطني –كما نعلم جميعا– لا يستوي بوجود أحد عشر حارسا وصفر من بقية المراكز، وكذلك المجتمع.

كم من الوقت يا ترى سنحتاج لنستوعب أن 2+1 و 1+1+1 و1 3x كلها تساوي ثلاثة، وكلها صحيحة مع اختلاف الطريق المؤدي إليها، وأن المثلث المتساوي الأضلاع لا يظهر كذلك إلا من زاوية رؤية محددة، وأن السمين سمين في نظر الهزيل، معتدل الوزن في قارة السمان، وأن القصير في المغرب لا يعد قطعا كذلك في بلد أخرى ذات متوسط طول أدنى، وأن الجريء في نظرك متبجح قليل حياء في نظر غيرك، والخجول في نظرك ضعيف شخصية في نظر غيرك، وأن ميزان أعيننا غير متضمن في جيناتنا منذ ولدنا، بل هو نتاج كل حصة تربية، وكل حرف تعليم، وكل كلمة سمعتها في الشارع، وكل صورة نمطية لقنك إياها عابر في أي محطة طرقية بعد منتصف الليل، وأن الأحكام التي نصدرها بغية الإصلاح قد تكون مطرقة تهدم شخصا أكثر صلاحا منا، لكن من عدسة قمرته في الجهة المقابلة، والتي ربما تكون أجود من خاصتنا.

حين نستوعب كل ما سبق، نفهم حينها كيف تجذب دائرة كل شخص ذي خصائص نفسية وسلوكية محددة نوعا محددا من الأصحاب المهتمين إراديا أو لاإراديا بنوعيته دون غيرهم، والوئام الذي يحصل بينهم دون غيرهم، حتى تتشكل هذه الأعشاش الصغيرة من الأشخاص ذوي الهالات المتشابهة، فيكون بذلك اختلافه عن غيره نقمة عند دعاة الإصلاح نعمة للمهتمين به ممن وجدوا ضالتهم عنده.

ثم إني أتساءل: إلى متى سيستمر كسر الخواطر عبثا بسبب اختلاف في المنطق؟ بل إلى متى ستستمر الحروب الأهلية التي تفرق بني الدم الواحد والأفكار المتنافرة؟ هل سنسمع يوما في مجالسنا: أحبك، مع أنني أختلف معك في الرؤية والشخصية ووجهة النظر، سأظل مع كل هذا أحبك.
أود أن أوجه تحية لشخص عزيز ألهمتني محادثة قيمة معه بعد منتصف الليل، موضوعه وبعض أفكاره، سلام لك أينما كنت مع اختلافنا.