عبارة “مشغول” مجرد فخ

184

إذا كنت تعيش في أمريكا في القرن 21 فإنك حتما ستكون قد سمعت الكثير من الناس يخبرونك عن مدى انشغالهم، لقد أصبح الرد الشائع حينما تسأل أي شخص عن أحواله هو: “مشغول ” “مشغول جدا ” “مشغول لدرجة الجنون”.

من الواضح أنه تفاخر متنكر كشكوى، والإجابة النموذجية هي نوع من التهاني ” أن تعاني من مشكل جيد ” أو ” أن تكون مشغولا أفضل من الفراغ.”

لاحظ أن الناس عموما الذين ينسحبون من المناوبة في وحدة العناية المركزة أو يتنقلون بالحافلة لثلاث وظائف ذات الحد الأدنى للأجور، هم من يخبرونك بمدى انشغالهم.

في واقع الأمر هؤلاء الاشخاص ليسوا منشغلين، بل “متعبين ” و ” مرهقين ” بل “مرهقين للغاية”.

الأشخاص الذين يشتكون دائما من كثرة الانشغال يكونون السبب في فرضه على أنفسهم : العمل والالتزامات التي أخذوها طوعا على عاتقهم، المحاضرات والأنشطة التي يشجعون أطفالهم على المشاركة فيها.

إنهم مشغولون بدافع طموحهم أو اندفاعهم أو حتى قلقهم لأنهم مدمنون على الانشغال وتتملكهم رهبة اضطرارهم لمواجهة اختفائه (الانشغال).

كل من أعرفه تقريبا مشغول. إنهم يحسون بالقلق والذنب عند عدم قيامهم بأي شيء يطور عملهم. إنهم يجدولون وقتهم مع أصدقائهم مثلما يفعل الطلابُ الحاصلون على أعلى الدرجات عند التخرج.

يحرصون على انخراطهم في الخدمات الاجتماعية لأنها تبدو جيدة في سيرتهم الذاتية.

مؤخرا راسلت صديقا لي لكي أسأله عما إذا كان يرغب في القيام بشيء ما هذا الأسبوع، لكنه أجابني بأنه لا يملك متسعا من الوقت، لكن إذا كان هناك تخطيط لحدث ما فيمكنه التخلي ربما عن عمله لبضع ساعات.

أردت أن أوضح له أن سؤالي لم يكن لإثارة انتباهه لدعوة في المستقبل بل كان هو الدعوة.

لكن انشغاله كان مثل الضوضاء الهائجة التي كان يصرخ من خلالها في وجهي لكنني تخليت عن المحاولة لكي لا يصرخ مرة أخرى.

حتى الأطفال مشغولون الآن، يقسمون وقتهم بين الفصول الدراسية والأنشطة الموازية.

ويعودون الى منازلهم في نهاية اليوم متعبين كالكبار.

كنت واحدا من جيل هؤلاء الأطفال الذين يتولون رعاية أنفسهم بعد العودة من المدرسة حتى عودة آبائهم، كنت أملك ثلاث ساعات تماما غير منتظمة وغير خاضعة لأية رقابة بعد كل ظهيرة، الوقت الذي اعتدت أن أفعل فيه كل شيء من تصفح الموسوعة العالمية، وصنع الرسوم المتحركة ولقاء الأصدقاء في الغابة لنرمي التراب في أعين بعضنا البعض… جميعها زودتني بالمهارات والأفكار المهمة والتي لا تزال ذات قيمة ليومنا هذا. أصبحت هاته الساعات المجانية نموذجا لكيفية رغبتي في العيش بقية حياتي.

الهستيريا الحالية ليست ضرورية أو حتمية للعيش؛ انها شيء نختاره، فقط إن رضينا به.

منذ وقت ليس ببعيد تراسلت مع صديقة لي عبر تطبيق “سكايب”، كانت قد ابتعدت عن المدينة بسبب ارتفاع الإيجار، ولديها الآن إقامة الفنانين في بلدة صغيرة جنوب فرنسا.

لقد شعرت في نفسها بالسعادة والاسترخاء لأول مرة منذ سنوات. ما زالت تقوم بعملها كما يجب غير أنه لم يعد يستهلك دماغها و يومها بالكامل.

تقول إن الأمر يبدو وكأنها في الجامعة، ولديها دائرة كبيرة من الأصدقاء الذين يخرجون جميعا وكل ليلة إلى المقهى وأصبح لديها حبيب مرة أخرى. ( لقد لخصت بأسف تاريخ المواعدة في نيويورك ” الجميع مشغول للغاية ويفكرون بأنهم يمكنهم القيام بما هو أفضل “).

ما كانت تنتحله على نحو خاطئ هو شخصيتها، واندفاعها، غرابة أطوارها، قلقها وحزنها على الأشياء التي أصبح لها تأثيرا مشوها لبيئتها .

لم يعد ينحصر الأمر في كون أي منا يريد العيش هكذا، الكثير من الأشخاص يريدون أن يكونوا جزءا من ازدحام المرور أو هرمية القسوة في المدرسة الثانوية، إنه شيء نقوم به جماعيا للضغط على بعضنا البعض.

يعمل الانشغال كنوع من الطمأنينة الوجودية، سياج ضد الفراغ، من الواضح أن حياتك لا يمكنها أن تكون سخيفة، تافهة أو من غير معنى إذا كنت مشغولا للغاية، محجوزا بالكامل في كل ساعة من اليوم.

ذات مرة عرفت امرأة احتجزت في مجلة حيث لم يسمح لها بقضاء ساعات الغذاء خارج المجلة، خشية أن تكون هنالك حاجة ماسة إليها لسبب ما. كانت مجلة ترفيهية هي التي منعت سبب وجودها عندما ظهرت أزرار “القائمة” على أجهزة التحكم عن بعد، لذلك من الصعب أن نرى هذا التظاهر باللامبالاة إلا بصورة واحدة وهي الخداع الذاتي المؤسساتي.

العديد والعديد من الناس في هذا البلد لم يعودوا يصنعون أو يفعلون أي شيء ملموس .

إذا لم يقدم عملك بواسطة قطة أو ثعبان في كتاب لريتشارد سكيري فلست متأكدا إن كنت سأعتقد أنك مهم.

لا يسعني إلا أن أتساءل عما إذا كان كل هذا الارهاق الهستيري ما هو إلا وسيلة للتستر على حقيقة أن معظم ما نقوم به لا يهم.

انا لست مشغولا. أنا أكثر شخص كسول وطموح. مثل أغلب الكتاب، أشعر كأنني الشرير الذي لا يستحق عيش الأيام التي لا يكتب فيها ولكني أشعر أيضا أن أربع أو خمس ساعات تكفي لكسب إقامتي على هذا الكوكب ليوم واحد آخر .

في أفضل أيامي العادية أكتب في الصباح؛ أذهب لركوب الدراجة لمسافات طويلة وأذهب للتسوق في فترة ما بعد الظهيرة وفي المساء أرى الأصدقاء، أقرأ أو أشاهد فيلما.

هذا، كما يبدو لي هو وتيرة ممتعة ومعقولة ليوم واحد وإذا اتصلت بي وسألتني عما إذا أردت مني التوقف عن العمل لاكتشاف الجناح الأمريكي الجديد في متحف متروبولتان للفنون أو حتى إلقاء بعض النظرات الغرامية والغمزات على الفتيات في سنترال بارك أو فقط شرب كوكتيلات النعناع الوردي الباردة طوال اليوم سيكون جوابي: في أي وقت؟

فقط في الأشهر القليلة الماضية، بدأت أصبح مشغولا بخبث بسبب الالتزامات المهنية. لأول مرة تمكنت من إخبار الناس بصريح العبارة بأنني كنت “أيضا مشغولا ” للقيام بهذا أو ذاك الشيء الذي أرادوا مني القيام به.

أستطيع أن أرى لماذا يتمتع الناس بهذه الشكوى، تجعلك تشعر بأنك مهم وأنك تسعى خلف شيء ما إلا أنني أكره أن أكون مشغولا بالفعل .

في كل صباح، كان صندوق الرسائل الواردة الخاصة بي مليئا برسائل البريد الإلكتروني التي تطلب مني القيام بأشياء لم أكن أرغب في القيام بها أو تقديم المشاكل التي يجب علي حلها.

لقد عايشت الكثير والكثير حتى أصبح الأمر لا يطاق إلى أن قمت أخيرا بالفرار من المدينة إلى مكان غير معلوم، والذي أكتب منه هذا النص. أنا لست مضطرا لتحمل الالتزامات، لا وجود للتلفاز.

للتحقق من البريد الإلكتروني لابد لي من القيادة للمكتبة، أذهب مرة كل أسبوع دون رؤية أي شخص أعرفه. لقد تذكرت شقائق النعمان وحشرة البق النتن والنجوم . أقرأ وأخيرا حصلت على بعض الكتابة الحقيقية المكتملة للمرة الأولى منذ أشهر. من الصعب أن تجد أي شيء تقوله عن الحياة دون أن تغمس نفسك في العالم ولكن من المستحيل أيضا معرفة ما قد يكون الأمر عليه أو أفضل طريقة لقوله دون الحصول على الجحيم للخروج منه مرة أخرى.

التباطؤ ليس مجرد عطلة، تدليل أو خطيئة إنما هي شيء لا غنى عنه للدماغ مثل فيتامين “D” للجسم . وإذا حرمنا منه نعاني من آلام عقلية وتشوهات وكساح….

الفضاء والهدوء الذي يوفره التباطؤ هو شرط ضروري للوقوف خلف الحياة من أجل رؤيتها بنظرة شمولية، لإجراء روابط غير متوقعة في انتظار الصواعق البرية المثيرة للإلهام، إنه من المفارقات الضرورية لإنجاز أي عمل.

كتب توماس بينشون في مقالته عن الكسل “حلم الخمول غالبا ما يكون جوهر ما نقوم به “.

أرخميدس، يوريكا في الحمام، تفاحة نيوتن، رواية جيكل و مستر هايد للويس ستيفنسون والصيغة الكيميائية للبنزين التي توصل إليها العالم فريدريك كيكوليه بعد أن حلم بثعابين تبتلع أذيالها، التاريخ مليء بالقصص الملهمة التي تأتي في لحظات الخمول والأحلام. يكادوا يجعلونك تتساءل عما إذا كان المتسكعون والمزورون غير مسؤولين عن الأفكار الرائعة والابتكارات والروائع في العالم أكثر من المجتهد.

إن الهدف من المستقبل هو البطالة الكاملة حتى نتمكن من اللعب .

لهذا السبب علينا تدمير النظام السياسي الاقتصادي الحالي. قد يبدو هذا مثل لفظ بعض المدخنين الاناركيين لكنه في الواقع الكاتب آرثر سي كلارك، الذي وجد الوقت بين الغوص وألعاب الكرة، لكتابة (childhood’s end) واختراع اتصالات الأقمار الاصطناعية .

كتب زميلي القديم تيد رال مؤخرا عمودا في صحيفة أن نطلق الدخل من العمل ونعطي كل مواطن راتبا مضمونا والذي يبدو كأنه من الأفكار المجنونة التي ستعتبر حقا أساسيا من حقوق الانسان في غضون قرن من الزمن، مثل إلغاء العبودية والاقتراع العام وثمانية ساعات من العمل يوميا.

المتشددون جعلوا من العمل فضيلة ومن الواضح أنهم نسوا أن الله قد اخترعه بصفته عقابا.

ربما سينزلق العالم سريعا إلى الخراب إذا تصرف الجميع مثلي، و لكن أود أن أقترح أن حياة إنسانية مثالية تكمن في مكان ما بين حياتي الجريئة والكسولة وبقية الصخب الذي لا نهاية له في العالم.

دوري هو أن أكون مجرد مؤثر سيء، الطفل الواقف خلف نافذة الفصل الدراسي يصنع بعض الوجوه المضحكة عليك. متحديا إياك للقيام ببعض الاعذار والخروج من مكتبك إلى الخارج من أجل اللعب .

كان الكسل والتباطؤ الخاص بي في الغالب ترفا وليس فضيلة لكنني اتخذت قرارا واعيا منذ وقت طويل لتفضيل الوقت على المال .

منذ أن وعيت، فهمت أن أفضل استثمار لوقتي المحدود على هذه الأرض كان أن أقضيه مع اشخاص أحبهم.

أفترض أنه من الممكن أن أكذب على فراش الموت الخاص بي نادما على أنني لم أعمل بجد وأقول كل ما يجب علي أن أقول لكنني أعتقد أن ما أتمناهُ هو أن أتمكن من الحصول على كأس شراب مع كريس و حديث طويل آخر مع ميغان وضحكة قوية و أخيرة مع بويد.

 

الحياة قصيرة جدا لتكون مشغولا.

Tim Kreider  تيم كريدر

ترجمة : حنان البناوي

تنقيح : أميمة سليم

تدقيق لغوي : عبدالمنعم فقيه بن شعيب

 

الرابط : https://opinionator.blogs.nytimes.com/2012/06/30/the-busy-trap/