لا يزال الإزعاج مستمرا

261

 هناك كتاب ربما على الرف يعلوه الغبار، ربما على الجدار معلق بإطار ومسمار، ربما على صدر شبه عارف، ربما أمام مِقود السيارة وُضع للحرز والحماية. هذا الكتاب كان يجب أن يكون في أماكن أخرى غير هذه، كان يجب أن يكون في عقولنا، في تلافيف أدمغتنا، في قلوبنا، في شراييننا وأوردتنا، في كرات دمنا البيض والحمر، في جهازنا المناعي، في نخاع العظم منا. تُهنا عن هذا الكتاب، فتُهنا عن أنفسنا عن  كل ما يجب أن نكونه، لكي نعيد اكتشاف هذا الكتاب علينا أن نُعيد اكتشاف أنفسنا. سيجعلك هذا تكتشف قارة جديدة في داخلك، قارة جديدة بكل مواردها وخيراتها لم تُكتشف من قبل، لم يطأها مخلوق من قبل.

فقط عندما يحدث هذا، ستكتشف المعجزة الحقيقية في هذا الكتاب: القرآن الكريم.

عندما نتحدث عن المعجزات سنتذكر حتما معجزات السيد المسيح: مثلا إحياء الموتى شفاء الأكمه  والأبرص، سنتذكر أيضا معجزة سيدنا موسى: يده التي خرجت بيضاء، العصا التي انقلبت إلى حية والتي شقّت البحر. ثم سيسألون وماهي معجزة محمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين؟ سنقول صادقين: القرآن.

 

منذ اللحظة الأولى لا يمكن أن نضع معجزات بقية الأنبياء والرسل في صنف واحد أو خانة واحدة مع القرآن الكريم، ثمة شيء مختلف واضح في الطبيعة، نعم كلها منه عز وجل، وكلها بمشيئته وكلها تؤدي نفس الدور. لكن ثمة شيء مختلف في الطبيعة لا يمكن تجاهل أو إنكار ذلك. كل معجزات الأنبياء السابقين يمكن أن توصف بأنها كانت مرئية رأي العين، يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وكان هذا بالضبط هو طريقها إلى الإعجاز. بعبارة أخرى لو أن ميت سيدنا عيسى لم يعد إلى الحياة أمام أعين الناس ويرونه وهو يقوم من الموت لما تحقق للمعجزة أثرها الإعجازي، وكذلك شفاء الأكمه والأبرص، وكذلك يد سيدنا موسى وعصاه.

لو أن كل هذه المعجزات لم تُر رأي العين، لما كانت ذُكرت أصلا. على العكس، كانت كل هذه المعجزات تُرى، وكانت رؤية الكافرين لهذه المعجزات هي ما تجعلهم يؤمنون. بعبارة أخرى، كانت هذه المعجزات ذات طبيعة حسية مادية مباشرة مرئية رأي العين.

معجزة القرآن كانت مختلفة: لم تكن مرئية. لا تنسوا بعض الأشعة لا تُرى ولكنها قد تَقتل، وفي حالة القرآن فإنها قد تُحيي أيضا. لكن ما هو هدف المعجزة؟

هدف المعجزة هو جعل الناس يؤمنون برسالة صاحب المعجزة وبدعوته إلى الإيمان بالله عز وجل. كيف يتحقق هذا الهدف؟ يتحقق عبر مثلث متساوي الأضلاع. أضلاع المثلث هي: التحدي، الإعجاز، الانقياد.

التحدي هو الفعل الخارق للحس الذي يقوم به صاحب المعجزة مثل إحياء الموتى أو شفاء الأكمه والأبرص.

الإعجاز هو شعور المتلقي بعجزه عن الفهم اتجاه ما حدث، هذا الميت كنا على وشك دفنه وها هو يعود للحياة، هذه الخشبة مجرد خشبة وهاهي حية تسعى،  يشعر المتلقي هنا بعجز عقله عن الفهم، فيقرر أن صاحب المعجزة مؤيد من الله وأن ما يقوله صواب.

الانقياد هو الضلع الثالث، التحصيل الحاصل، سينقاد المتلقي لصاحب المعجزة. وهذا هو هدف المعجزة أصلا.

مع القرآن تتخذ المعجزة طريقا مختلفا. فبدلا من إعجاز العقل الذي كان مصاحبا لمعجزات بقية الأنبياء والذي كان ضروريا في مرحلة مبكرة من تاريخ البشرية ومن طفولة العقل البشري، بدلا من هذا الإعجاز، هناك الآن استفزاز العقل. لا إيقاف العقل هنا من أجل الانقياد. على العكس معجزة القرآن تتطلب إعمال العقل. تتطلب قيامته، تتطلب أن يقوم من نومه ليقوم بدوره. يضرب القرآن عقلك كما لو بصاعقة تعيد له الحياة، كما لو برجة كهربائية تعيد له دقاته. يقوم القرآن بهزك بعنف. فكر تأمل ابحث واجه حقيقة مشاكلك وابحث لها عن حلول. يأخذك القرآن من تلابيبك يقول لك فوق هذه الرقبة ما يستحق أن يعمل.

فلنتذكر أن هذا الدين هو الدين الخاتم. وكان يجب لمعجزته أن تكون مختلفة، هذا الدين هو فرصة البشرية الأخيرة وكان يجب لمعجزته أن تحمل طابع الاستمرار وأن تحمل رسالته، ما كان يمكن لمعجزة الدين الخاتم أن ترتبط بشيء يُرى ويُحَس في زمن ما. ما كان يمكن لمعجزة الدين الخاتم أن ترتبط بفعل خارق للحس أو العقل. لقد جاءت المعجزة في زمن بلغت فيه البشرية سن الرشد. آن للمعجزة الأخيرة أن ترتبط بالعقل.

تختلف المعجزة القرآنية أيضا في أنها تجعل المتلقي جزءا منها. كل المعجزات السابقة تجعل المتلقي ينقاد فحسب. المعجزة القرآنية  تجعل المتلقي طرفا فاعلا فيها، جزءا فاعلا فيها. يخترقه القرآن، فيُغيره، فيُصبح إنسانا آخر. ويكون هذا التغير هو المعجزة.

لقد كان ميتا مثل ميت سيدنا عيسى وإن تنفس، كان مثله مثل الخشبة في عدم تأثيره في الحياة ثم يأتي القرآن لِيُغيره، فتدب فيه الحياة، فيصبح شخصا فاعلا متفاعلا صانعا للحياة. يصبح شجرة مُثقلة بالثمار بعد أن كان مجرد خشبة.

القرآن معجزته معادلة من طرفين، أحد طرفيها هو أنت. فما الذي فعلناه في تلك القفزة الهائلة؟ وما الذي فعلناه بالقرآن الذي حقق القفزة؟ أخشى أن أقول أننا حققنا أكبر تدهور وأننا عاملنا القرآن كما لو كان معجزة حسية. ونسينا جوهر المعجزة: التغير.

وضعناه خلف خزانة، علقناه على الجدار، بَنَيْنا بينه وبَيْنَنا ألف جدار وجدار. قلنا ممنوع اللمس. وهو قد نزل ليخترقنا لا لِيَلمسنا فقط. تعرفون ماذا فعلنا بالقرآن؟ وتعرفون ماذا حدث لنا؟

وأنت يا صديق  هل تركت له الباب مفتوحا لكي يدخل إليك؟ هل تركت له مجالا لكي يتسلل إلى قلبك فيُحدِث ربما الطوفان أو ربما الزلزال؟ هل تركت له الفرصة وأنت في لهوك، وأنت في المقهى، وأنت في خوض الخائضين مع أصحابك؟ هل تركتَ له الفرصة لكي يقوم بتغييرك؟  تغييركَ الذي لا يعني أن تتركَ لهوك أو أصحابك، لكن أولوياتك ستتغير فحسب. هل تعرف أي شيء  يمكنه أن يفعله فيك؟ أم أن هذا أصلا لم يخطر ببالك؟ هل علاقتك فيه هي الختمة فحسب أم أن هذا أصلا غير موجود؟

هناك فرصة، هناك معجزة تتنظر دورك فيها. هناك معادلة تنتظر طرفها كي يتحرك، وهناك أنت، تَحَرّكْ!

عليه الصلاة والسلام أوصل الأمانة: القرآن…الباقي عليك… لا.. الباقي علينا جميعا وعليكم.

(من سلسلة “لا نأسف على الإزعاج.”) / أحمد خيري العمري

تفريغ : فاطمة أحرشام