لماذا يعذبنا الله وقد كتب علينا الكفر والمعصية؟

296

يعتبر هذا السؤال من أشهر الأسئلة المطروحة المتعلقة بالله تعالى، وتصرفاته وتدبيره لشؤون خلقه، وله ارتباط وثيق بباب القضاء والقدر. ومن أكثر الأسئلة الرائجة والمتداولة على المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي. وقد أخرج هذا السؤال كثيرا من الناس من دائرة الإيمان إلى الإلحاد أو التشكيك. سؤال أرق الجميع وأتعبهم، السائلين له والمجيبين عنه، المؤمنين والمشككين والملحدين، ويأتي تأريقه للناس من كونهم يرون آثاره المباشرة في حياتهم، ذاك أنهم يشاهدون الناس يعصون الله تعالى طول حياتهم ويموتون على ذلك، أو يكفرون بالله تعالى ولا يرجعون إلى الإيمان. وهي آثار مشاهدة لا ينكرها أحد.
ويحاول هذا المقال رفع اللبس عن هذا السؤال، والذي أجيب عنه بطرق كثيرة ومتنوعة. وأول شيء نفعله في طريق الجواب عن هذا السؤال هو أن نضع حدا لذلك الإسقاط الذي يفعله أغلب الناس عند حديثهم عن الله تعالى، فتجدهم يتحدثون عنه سبحانه كأنه خلق من المخلوقات ينطبق عليه ما ينطبق عليهم من قوانين الفيزياء، ويسري عليه الزمان ويحده المكان، فيسقطون تصرفات البشر على تصرفات الله تعالى. وهذا أكبر خطأ يقع فيه الناس، مما يسبب لهم الحيرة والاضطراب وعدم استيعاب الأمر. فأفعال الله تعالى وصفاته لا تشبه أفعال وصفات الناس بأي وجه من الوجوه، ومن ثم فإن الناس عندما تسأل السؤال السابق “لماذا يعذبنا الله وقد كتب علينا الكفر والمعصية” تقع في هذا الإسقاط، فكأنها تشبه الله تعالى بشخص ما قام بربط شخص آخر بحبل، ثم ألقاه في نهر وقال له إذا غرقت سوف أعاقبك، أو طلب منه إنجاز عمل وقال له إذا لم تقم به سوف تعاقب. 
ثم بعد ذلك نميز بين كون الله تعالى كتب علينا الكفر وكتب علينا المعصية، وأغلب المثيرين لهذه الشبهة يذكرون الكفر، مقدمين المثال بملايير البشر الذين ولدوا وماتوا على أديان أخرى غير الإسلام، أو دون اعتناق أي دين منذ بدء التاريخ، فتجدهم يرددون عبارات من قبيل: “ما ذنب هؤلاء الناس، لماذا يعذبهم الله وقد كتب عليهم أن يكونوا نصارى أو يهودا أو بوذيين” وهذا الأمر باطل ومرفوض لأدلة كثيرة، لعل أشهرها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “كل مولود يولد على الفطرة” أي فطرة الإسلام التي تقتضي توحيد الله تعالى والإيمان به وعبادته كما ذهب إلى ذلك أكثر الشارحين للحديث. فحشاه سبحانه أن يكتب الكفر أو الشرك على أحد من خلقه، وإنما هو مرض طارئ على النفس البشرية بفعل عوامل مختلفة، ذكر الحديث منها عامل الأسرة والتنشئة “فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه”.


 وبالتالي فمسألة الكفر، أو اتباع دين آخر غير الإسلام لا علاقة لها بالسؤال، بل هي قضية أخرى تحدث عنها العلماء، وفصلوا فيها القول، وبينوا مصير هؤلاء الناس، والذي لا يعدو أن يخرج عن قوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) الإسراء. الآية 15. 
 فإذا سلمنا بهذا الأمر بقي لنا الأمر الثاني، وهو أن الله تعالى كتب علينا المعصية، وهنا نسأل طارح هذا السؤال، من تقصد بهؤلاء الذين كتب الله عليهم المعصية؟ سيقول: العصاة الذين يرتكبون الكبائر والمحرمات. نقول له لقد أخطأت، ليس العصاة فقط، بل كل خلقه وعباده حاشا الرسل والأنبياء، فجميع البشر دون استثناء منذ خلق الله تعالى آدم إلى يوم الناس هذا يعصون الله تعالى بنسب متفاوتة، ولو كانوا أعبد العباد وأزهد الزهاد. فالله تعالى كتب المعصية على الجميع، لأن ذلك يعد من خصائص وطبيعة النفس البشرية المجبولة على الخطأ واتباع شهوات النفس. وكتب المعصية هنا ليس بمعنى أن الله تعالى ألزم وأجبر عباده على اقتراف المعاصي، بل بمعنى أن الله تعالى جعل في الإنسان حاجات نفسية وبيولوجية يسعى إلى تحقيقها وإشباعها، فإما أن يشبعها ويحققها بالطرق الصحيحة والشرعية، وإما أن يشبعها بطرق محرمة غير صحيحة، مما يجعله يقع في المعاصي والذنوب.
 ويمكن التأصيل لمسألة كون جميع الناس يخطئون ويعصون، والاستدلال عليها بنصوص كثيرة من القرآن والسنة، نذكر منها:
قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث) آل عمران، 14 
وقوله صلى الله عليه وسلم: “كل ابن آدم خطاء فخير الخطائين التوابون” صحيح مسلم
وقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: “… يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم…” صحيح مسلم  
كما يمكن الاستدلال عليها من خلال تسمية الله تعالى لنفسه بالغفور والتواب. فإذا لم يخطئ الناس ويرتكبوا الذنوب والمعاصي فستكون تلك الأسماء مجرد عبث ولهو لا فائدة منه، والله تعالى منزه عن ذلك.
 وهنا يكون جميع البشر متساوون في مسألة عصيان الله تعالى، ومن حقهم جميعا أن يسألوا نفس السؤال، أو بالأحرى أن يطرحوا السؤال بطريقة أخرى هي: “إذا كان الله قد كتب علينا أن نعصيه، فلماذا لم يقدم لنا علاجا لذلك” وهنا يستطيع أي واحد منا أن يجيب عن هذا السؤال، فالله تعالى لم يكتب علينا المعصية دون أن يقدم لنا الحلول، ولم يجعل فينا هذا الداء دون إيجاد الدواء، الذي هو التوبة من تلك المعاصي والاستغفار والرجوع إلى الله تعالى. فالله تعالى سمى نفسه التواب والغفور والغفار، ودعا الناس إلى التوبة إليه (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) النور، 31. وإلى استغفاره (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه) هود، 61. (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) البقرة، 199. بل ونهى سبحانه هؤلاء المبالغين والمكثرين من الذنوب والمعاصي في تودد وإقبال عن القنوط من رحمته (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) الزمر، 53. كما بين سبحانه في كثير من الآيات أن الذين يرجعون إليه ويتوبون مما عملوا من معاصي يكون مصيرهم إلى الجنة: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فألئك يدلون الجنة ولا يظلمون شيئا) مريم، 69.
وهنا تتدخل الإرادة الحرة للإنسان، إما أن يستمر على معصيته إلى أن يموت عليها، وإما أن يتوب ويرجع لله تعالى، وتحفظ لنا النصوص حالات لا عد لها انقلبت من المعصية إلى الطاعة، ومن الانحراف والفساد إلى الاستقامة والصلاح. كما نشاهد ذلك يوميا في واقعنا المعيش. ومن عجيب ما يتعلق بهذه النقطة قصة قاتل المائة نفس، التي رواها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه. فأي ذنب أكبر وأعظم من قتل مائة نفس، ومع ذلك لما عزم القاتل على التوبة وسعى إليها تاب الله عليه، وقبل توبته.
وخلاصة القول أن الله سبحانه وتعالى كما وضع أمراض البدن ووضع لها شفاءها، فإنه سبحانه وضع أمراض النفوس وهي الذنوب والمعاصي ووضع لها شفاءها وهو التوبة والاستغفار والعمل الصالح. وأنه كتب علينا جميعا المعصية، وهذا يدخل ضمن الامتحان والاختبار في هذه الدنيا، ويتوافق مع طبيعة النفس البشرية، وإلا فسنكون ملائكة الله في الأرض، ولن يكون هناك أي معنى للحياة.