أمهات منسيات

166

كنت في يوم من أيام سنتي الجامعية مستقلة “طرامواي الرباط ” غارقة كل الغرق في تبادل أحدث النكت وأندر الطرائف مع إحدى زميلاتي. لكن في لحظة، قبل أن تصلني كلماتها كان نظري قد توقف عند شابة حسنة المظهر والصورة ترافقها طفلة غاية في الجمال قابعة في كرسي متحرك، فجأة نادتها ب ماما،  هذة الكلمة أجابت عن سؤالي: “ترى ماذا تقربان بعضهما البعض؟” كانت بطاقة الشابة التعريفية وورقتها الثبوتية “أم طفلة ذات احتياجات خاصة”.

كانتا ملاحقتين بكل العيون التي تود سرقة سرهما، بكل أولئك الذين لا يعرفانهما بكل جنون الأقدار، وأي قدر هو إنجاب طفل ليس كالبقية، كالذي حلمنا به وتمنيناه، صورة تختلف عن كل ما حولها وليس بينها وبينهم صلة ما يدفع الإنسان إلى أن يحار ويتعجب، لكن هذا العجب يزول تدريجيا ليحل مكانه نوع من الإكبار الغامض ثم التأمل.
إنها صورة كان اللامعقول يتنافس فيها من حيث حنان الأم ثم جمالها وصغيرتها. مشهد انهار وتوالي المحطات، وازدحام عربات الطرامواي لكن أبدا ما ترك بالي وتفكيري وصرت في مرات مصادفتي لمثله عظمة قوة الأم وخاصة أمهات الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة.

وحدث أني صادفت مرة أخرى في ذات المكان موقفا آخر، غير أنه في المرة الثانية كان الطفل ذو الهمم المرافق لوالدته يصدر أصواتا تترجم رغبته في الكلام والتواصل مع والدته التي تستطيع وحدها فهمه ومجاراته، سرعان ما أصدر صرخة كانت كالصيحة الخافتة في الوادي السحيق، جعلت كل الركاب يرمقونه بنظرات تقول: “بربك ما هذا” كأن الصغير ارتكب جريمة، أما أنا فركزت نظري على وجه الأم الذي انقبض أثناء ذلك وتتنبأ خجلا طالبة منه السكوت. ابتسم الطفل في وجه أمه وهو أثناء ذلك يحاول ضمها إليه فقبلته هي على رأسه، إنها بالنسبة له كالضرع السخي الحلوي الذي لا يستعد الشاربون منه للفطام. كيف لا وهي تمنحه مالا يمكن لأي أحد غيرها منحه.

إنه لمن الطبيعي أن تنتظر الأم قدوم طفلها الأول كحدث محوري يؤثر في تركيبة أسرتها ونمط حياتها وتكوينها، وتستعد لذلك بأجواء احتفالية مميزة تسجل فيها كل تفاصيل ومشاهد ولحظات الحفل، ويتكرر المشهد في كل مرة تبشر فيها بحمل جديد تبذل فيها وزوجها سبل الراحة والتهيئة لاستقبال مولودها الجديد.
إن استقبال أي طفل ذكرا كان أم أنثى يعني تغييرا في الأسرة وترتيبا جديدا في مكوناتها وأدوارها، حتى في نفقاتها اليومية والشهرية. لكن قد تتفاجأ الأسرة بأن وليدها الذي تنتظره بشغف القلب وفارغ الصبر غير سليم فتنقلب الفرحة إلى حزن وألم و شعور بالذنب واستنكار وجفاء.
إن ميلاد الطفل ذي الاحتياجات الخاصة يؤدي إلى استجابات انفعالية متباينة لدى الزوجة والأبناء. وتتأثر طبيعة استجابة الأبوين والأم خاصة بعوامل عديدة منها نوع الإعاقة، ودرجتها، وثقافة الأبوين، ومستوى تعليمهم والفئة العمرية ثم الحالة المادية والنظرة الاجتماعية التي تعتبر ذلك كأنه جريمة كما حدث في الموقف السابق وغير ذلك كثير.
تخيلوا أن هكذا أم عندما علمت أن طفلها المزداد سيكون مختلفا عن البقية ويخبرونها بأنها سيكون عليها رعايته مدى الحياة والقيام بجميع احتياجاته من دخول الحمام، والأكل، والشرب، والاستحمام وغير هذا كثير، وهي مهام لا تنتهي بالنسبة إللها إلا بوفاة أحد الطرفين الطفل أو الأم، لكنها لا تيأس أبدا وإنما تستقبل الأمر بصدر رحب وتضم طفلها بحب أكبر واستثنائي.
من الممكن أن تكون محرومة حتى من حضور المناسبات العائلية لأن ذلك لم يمتعها ولن ينقص من مهامها شيئا، أما إن كانت ذات وظيفة فإن طفلها لا يغيب عن بالها للحظة واحدة و هي تزاول عملها.

الأم عظيمة دائما لكن أمهات الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة استثناء في العظمة. كفانا أن ننظر إليهن وأطفالهن في كل مرة بأعين مشفقة وكأننا نلومهم.
إن جنة الحياة هي الأم، أما أولئك النسوة فقد اختار الله أن يكون أبناءهن جنانهن على الأرض وحسن رعايتهم أبواب الجنان العليا.