فصبر جميل

144
“ﻭَﺃَﻳُّﻮﺏَ ﺇِﺫْ ﻧَﺎﺩَﻯٰ ﺭَﺑَّﻪُ ﺃَﻧِّﻲ ﻣَﺴَّﻨِﻲَ ﺍﻟﻀُّﺮُّ ﻭَﺃَﻧﺖَ ﺃَﺭْﺣَﻢُ ﺍﻟﺮَّﺍﺣِﻤِﻴﻦَ”، ثم بعد ذلك: “ﻓَﺎﺳْﺘَﺠَﺒْﻨَﺎ ﻟَﻪُ ﻓَﻜَﺸَﻔْﻨَﺎ ﻣَﺎ ﺑِﻪِ ﻣِﻦ ﺿُﺮٍّ ﻭَﺁﺗَﻴْﻨَﺎﻩُ ﺃَﻫْﻠَﻪُ ﻭَﻣِﺜْﻠَﻬُﻢ ﻣَّﻌَﻬُﻢْ ﺭَﺣْﻤَﺔً ﻣِّﻦْ ﻋِﻨﺪِﻧَﺎ ﻭَﺫِﻛْﺮَﻯٰ ﻟِﻠْﻌَﺎﺑِﺪِﻳﻦَ”.{سورة الأنبياء}.
كان أيوب عليه السلام آية. آية جمعت في قلبها فنا من فنون العيش اسمه الصبر، أيوب رسالة يمكن أن تتحسس بين طياتها ثقل الحياة وقوة المؤمن. كنت أسمع عن أيوب من قبل لكنني لم أكن أعرفه جيدا، تمرُّ قصته خلالي بين الفينة والأخرى من عابر سبيل، أو من صوت يأتي صداه من التلفاز أو المذياع، حقا لم أكن قادرا على تخيل معاناة أيوب عليه السلام لأنه لم يكن باستطاعتي أن أرى الجانب القاسي من الحياة. كان أيوب غنيا، قد أنعم الله عليه بكل شيء، فملك المواشي والأراضي، كما كانت له زوجة صالحة وهبه الله بمعيتها أولادا. شاء الله أن يقع البلاء بأيوب في كل مكان، حيث فقد أمواله وأراضيه و مواشيه وأولاده، وأصاب المرض كل جسدِه إلا قلبه ولسانه، وبهذا القلب واللسان فعل أيوب كل شيء. استطاع أن يصبر كثيرا وأن يحافظ على قلبه، وتمكن من أن يعبد الله به وبلسانه. لقد ترك الله لأيوب يدا خفية تساعده. تركه كل من حوله خوفا من أن يصابوا بالعدوى، حسِبوه جسدا انتهى وروحا شارفت على الرحيل، ولم يؤمن أي أحد بأيوب كما آمن عليه السلام بالله. اليد الخفية كانت زوجته الصالحة التي لم تتوانى عن العمل من أجله. عانت هي الأخرى وهي تمد يد العون لزوجها العليل، الذي أصابه البلاء ولم يتبقى له سوى الله وهي. نعم قد ضحت وعانت ووقفت مع زوجها حين احتاج أن يحس بوجود شخص لن يتخلى عنه. لقد كان أيوب مكتفيا بربه لكنه إنسان والإنسان يحتاج إنسانا بجانبه يخفف عنه ضيق الأرض. لقد صبر أيوب، دعا ربه بلسانه وبقلبه، ظل صامدا حتى أمده الله بالسبب ومنحه مياه الشفاء كمكافأة على صبره وإيمانه طوال سنوات الشقاء التي مرت به، وظل القلب ثابتا وكذلك اللسان وأصبح كما أراد في دعائه.

أنا لست أيوب وأنت كذلك، لا نملك قلب أيوب ولا لسانه، لكننا نستطيع أن نفكر قليلا مثله، أن نحاول الصبر ما استطعنا عندما يتلبس بلاء بنا. أن نؤمن بأن كل شيء سيعود أو سيصبح أفضل مما كان عليه، كما يجب علينا أن لا ننسى أن نختار جيدا أولئك الذين نريد أن نكمل الحياة بصحبتهم وأن نختار الذين وجدنا بهم يد العون. ليس بالضرورة أن تتشابه قصصنا، وأن تكون لك أو لي قصة مثل قصة أيوب، لكن من هنا يمكننا أن نأخذ العبرة، أن نمد أرواحنا بالطاقة التي نحتاجها لكي نكمل بين تعرجات الحياة، بها يمكن أن ننهض متى أحسسنا بأننا على وشك السقوط أو شَعَرنا بالتعب.
إن البلاء يظهر جليا في كل مناحي الحياة، هذا أمر صرح به الخالق سبحانه أكثر من مرة في آياته، فأن تفشل أو تمرض أو أن يحدث لك شيء لم تتوقعه هو أمر وارد، ولكن على الضفة الأخرى يوجد الصبر والجزاء، الأمر ليس سهلا لكنه سيصبح كذلك بالصبر والإيمان.