العنف و مستقبل الأطفال

153

جروح وآثار العنف اللفظي لا ترى، إلا أنها أشد وأخطر بكثير من آلام عنف جسدي قد تختفي آثاره بعد أيام أو شهور.

العنف اللفظي و الألفاظ المسيئة  التي تحمل عبارات السخرية والشتم والإزدراء والتخويف والتهديد من قبل الوالدين أو أي فرد تجاه الطفل، وكذا استعمال “لغة الشارع” والانتقاد المستمر للطفل أو مقارنته بأطفال آخرين، أضف إلى ذلك، التعبيرات التي تحمل رسائل ساخرة أو جارح، و فيها إحتقار واستخفاف.

هناك الكثير من الدراسات التي تؤكد مدى التأثير السلبي المدمر للعنف اللفظي على الأطفال، منها دراسة أكدت أن الأشخاص الذين تعرضوا لأي نوع من أنواع السباب في طفولتهم يصابون بالاكتئاب  بحوالي ضعفي أولئك الذين لم يتعرضوا للسباب أبدا.

غير أن الأبحاث الحديثة ذهبت إلى أبعد من ذلك، بفضل تطور الأجهزة الحديثة للتصوير الدماغي، تبين أنه عندما تكون البيئة عدوانية ويكون الطفل فيها معرضا للعنف اللفظي والنفسي، فإن هذا يؤدي إلى أضرار تدوم مدى الحياة، كجروح وندوب في الدماغ، و هذا ما أكده مارتن تاتشر وزملاؤه في كلية الطب بجامعة هارفرد.

وفي دراسة مقارنة نشرتها المجلة الأمريكية للطب النفسي، تبين أن دماغ أولئك الأفراد الذين عانوا من العنف اللفظي يحتوي على نسبة أقل من المادة الرمادية التي لها علاقة وطيدة بمستوى الذكاء والقدرة على التحليل والتفكير المعقد.

وفي دراسة على أفراد تتراوح أعمارهم ما بين ثمانية عشرة وخمسة وعشرين سنة تعرضوا للعنف اللفظي، وجد تخلف في تطور الاتصال بين الفصين الأيمن و الأيسر من الدماغ، وهذا أثّر على مستوى الذكاء والقدرة على التحليل والتفكير فأصبحوا يعانون من الاكتئاب والغضب والعداء والإدمان في أقصى الحالات.

يختلف العقل البشري عن باقي المخلوقات في أنه يتكون وينمو ويتطور باستمرار بعد ولادته و يتأثر بما حوله، ولكي ينمو هذا العقل بطريقة سليمة وصحيحة فإنه يحتاج إلى الرعاية والقبول والتحفيز والتشجيع والحب غير المشروط، الذي هو أساس العلاقة بين الطفل وأبويه فهو  أسمى درجات الحب.

مقالات مرتبطة

التحرش الجنسي..

هل تحتاج للتحفيز؟

ولا بد للآباء عند تقويمهم لسلوك أبنائهم أن ينتقدوا العمل السيئ، و لا ينتقدوا الطفل، ننتقد السلوك الخاطئ بعيدا عن الإهانة والتجريح لشخصهم، وعلى الٱباء واجب الاعتذار إذا صدر منهم ما لا يليق بالقول، حتى نلقِّن أبناءنا ثقافة الاعتذار، و لكي نمحو ما قد تتركه أخطاؤنا من ٱثار.

إن خطورة العنف اللفظي على الطفل، تتمثل في أنه يرى نفسه من خلال نظرة والديه إليه، فهو يرى نفسه جميلا أو قبيحا، ذكيا أو غبيا، صالحا أو طالحا من خلال هذه النظرة، والعنف اللفظي يؤدي إلى انعدام الثقة بالنفس وتعطيل الطاقات الإبداعية، بل ويؤثر سلبا على نمو الطفل جسديا وعقليا وروحيا ونفسيا وعاطفيا واجتماعيا وأكاديميا، وتزداد نسبة هذا التأثير على المدى البعيد.

حتى عندما يتلقى الطفل الضحية صورة من صور الحب من الشخص المعتدي كالإبتسامة  وإن كانت صادقة، فإنه يعيش في تأهب لأنه يعلم أنها حالة حب مؤقت وسرعان ما ستنقلب إلى حالة اعتداء جديدة، فتنعدم ثقته في هذه الإبتسامة، بل و في الحب، وهذه مأساة في حد ذاتها !

نجد أن ديننا الإسلامي الحنيف الذي يوافق الفطرة يرفض العنف بكل أشكاله ويدعو إلى الرفق، لِقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم : ” إن الله رفيق يحب الرفق و يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه ” و عن منع العنف ضد الأطفال يقول : ” ليس منا من لم يرحم صغيرنا “.

إن أطفالنا أمانة في أعناقنا، فالتربية ليست طعاما وشرابا و لباسا وأمورا مادية فحسب، وإنما هي رعاية وعناية جسدية وعقلية وروحية.

يقول معلم الإنسانية سيد الخلق صلى الله عليه وسلم : ” ما من راع يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه رائحة الجنة “.

 

عن سلسلة “ومحياي” (الجزء الأول)

تفريغ : أسماء كدري

تدقيق لغوي : فدوى الأوسي