الصورة غير الصالحة للعبد الصالح

211

العبد الصالح، فلنُغمض أعيننا ولنحاول أن نتخيل ما تُوحيه هذه الكلمة لنا، فلنحاول أن نتخيل الصورة الذهنية المرتبطة بالعبد الصالح، دون تفكير طويل، فقط ما يأتي تلقائيا.

غالبا سنتخيله وهو في الطريق إلى المسجد يرتدي لباسا تقليديا بسيطا، يحمل مسبحة في يده، يسير محني الرأس والظهر.. لا نعرف بالضبط هل هذا بسبب غض البصر أم شيء آخر !

يُتمتم بتسبيحات وأذكار ويسير جنب الحائط.. تفاديا للمشاكل يسير ملتصقا بالحائط كما يقال في حياتنا اليومية !

هذه هي صورة العبد الصالح في أذهاننا. فلنتخيل الآن لو أن هذا العبد الصالح قد تعرض لمشكلة ما من تلك المشاكل التي نصادفها جميعا في حياتنا اليومية. كأن يجور أحدهم على حق له.

فلنتخيل مثلا أن أقاربه طمعوا بحقه في الإرث. ما الذي سيفعله هذا العبد الصالح الذي في أذهاننا؟

سيتنازل عن حقه طبعا.. هو لا يريد شيئا من الدنيا وأوساخها.. هذا هو العبد الصالح الذي في أذهاننا..لكن فلنترك الآن القرآن يفتح أعيننا على الصورة الحقيقة للعبد الصالح.

العبد الصالح الذي في خيالنا قد يتنازل عن إرث له،  أما العبد الصالح الحقيقي في القرآن فهو لا يتنازل عن إرثه، وإرثه هو الأرض كلها. هكذا تقول الآية: {الأرض يرثها عبادي الصالحون}. الأرض كلها.

هل العبد الصالح الذي في أذهاننا والذي تخيلناه قبل قليل مناسب لهذا الدور؟ دور إرث الأرض؟؟

بالتأكيد لا ! ثمة خلل كبير في مفاهيمنا عن العبد الصالح..  فلننتبه الآن إلى أن الآية التي تلي هذه الآية بالضبط تقول: {إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين}.

الله عز وجل وهو الأعرف بخلقه يعلم أن هناك من سيجعل العبادة كما لو كانت مناقضة لإرث الأرض هناك من سيجعل العبادة تُلهيه عن دوره في إرث الأرض.  الآية تُقدم بلاغا رسميا إلى السادة العابدين: إن كانت عبادتكم تُلهيكم عن إرث الأرض، فاعلموا أنكم قد فهمتم العبادة على نحو خاطئ. إن لم تجعلكم عبادتكم تساهمون في إعمار الأرض، في إرثها، على الأقل لم تساعدكم في حثكم على ذلك أو في تحفيزكم عليه. فاعلموا أن فهمكم للعبادة فيه مشكلة. حتى لو قضيتم الليل في القيام والنهار في الصيام !

بلاغ: العبادة يجب أن تساهم في إرث الأرض. لكن ما هو إرث الأرض أصلا؟ أغلبنا سيتخيل شيئا يتعلق بالحيازة العسكرية وبالسيطرة على الأرض، كما لو أن إرث الأرض هو أن تحرق الأرض لتسيطر عليها، على الإطلاق. لكن ماذا يعني أن تكون وارثا للأرض؟ هل يعني أن تشُن الحروب على الأرض كلها؟ هل يعني أن عليك أن تحرق الأرض لتسيطر عليها؟

مقالات مرتبطة

فعالية الغرب

القدر أو الاختيار

فوائد السفر..

أغلبنا سيتخيل شيئا له علاقة بأفلام “الأكشن” فيما يتعلق بإرث الأرض،  لكن الأمر في الحقيقة أبسط من هذا بكثير. لديك إرث، كي تثبت أنك مؤهل له، عليك أن تُعمِّره، عليك أن تجعله يُثمر، تجعله يزدهر، ينمو.

إعمار الأرض، إرث الأرض هو إعمار الأرض وليس حرقها، وليس جعلها مكانا أسوأ.

إرث الأرض هو أن تجعلها مكانا أفضل للعيش، بكل بساطة.

فلنتذكر حديث الفسيلة، قال عليه الصلاة والسلام: “إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة، فليغرسها”.

إذا قامت القيامة.. تصوراتنا الذهنية أنه إذا قامت القيامة أو أي علامة من علاماتها علينا أن نذهب بسرعة لنقوم بصلاة أو أي شيء من الشعائر.

عليه الصلاة والسلام يقول: اغرس الفسيلة حتى الرمق الأخير، طبعا عليك أن تكون قد صليتَ هذا أمر منتهٍ، ولكن الفسيلة هي دور العبد الصالح في إرث الأرض.

لكي تكون عبدا صالحا عليك أن تكون مُنتِجا لا أن تكون تاريخ صلاحيتك قد انتهت منذ قرون. هذا هو العبد الصالح.  وليس بالصدفة أبدا أن نقول في التحيات في نهاية الصلاة : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

نحن في العبادة، في الجزء الشعائري من العبادة، في نهايتها، وهذا الجزء يُذكرنا بجزء آخر من العبادة سنقوم به بعد قليل، نسلم على العباد الصالحين الذين قال لنا القرآن إنهم يرثون الأرض. كما لو أن هذا يُذكرنا بدورنا بعد الصلاة مباشرة. أن نلتحق بالعباد الصالحين في إرث الأرض. هذا هو الدور الحقيقي للشعائر. الدينامو الذي يجعلنا نقوم بدورنا في الأرض. في هذا العالم الذي يبدو مزدحما بالخيارات. هناك أحيانا أشياء ذات  خيارات قليلة جدا.

أحيانا تُختزَل لتُصبح خيارين فقط: لديك خيار أن تكون عبدا صالحا أو أن تكون عبدا غير صالح، في كل الأحوال نحن عبيد  في كل الأحوال. العبوديات كثيرة، ممكن أن تكون عبدا لله أوعبدا لنفسك أو عبدا لنمط حياة.. يمكن أن تكون عبدا لإيديولوجية.

الحرية الوحيدة الحقيقية هي حرية اختيارك لعبوديتك. حتى هذا الخيار يا صديق لا يُنهي الموضوع. يُمكن أن تنزلق إلى الصورة غير الصالحة للعبد الصالح ويمكن أيضا أن تذهب إلى آية القرآن ..إلى السورة القرآنية، العبد الصالح  الذي يُصلح الأرض.. تقول إن الأمر صعب، نعم إنه كذلك ..  لكنه ليس مستحيلا.”

 

عن سلسلة “لا نأسف على الإزعاج”

تفريغ : فاطمة أحرشام