في مدرسة الأمومة

164
إدراك معنى الشيء حقيقة لا يكون إلا بخوض تجربته، وليس من رأى كمن سمع، وليس من عاش التجربة كمن رآها فقط…فكلما اقتربت من شيء أحَطت به واطلعت على ما لم تكُن لتطّلع عليه وأنت بعيد عنه.
كنت أسمع الكثير عن الأمومة وعن دور الوالدين وخاصة الأم، فقد وصى بها ديننا ثلاثا قبل أن يوصي بالوالد، وكثيرا ما تكررت على مسامعنا عبارة “الله يسمح لينا من الوالدين” ونرددها مع من يقولها، لكن إلى أي حد أدركنا هذا المعنى وعلى أي شيء نطلب الله أن يسامحنا؟

اليوم وقد خضت غمار التجربة بنفسي وانتقلت بين محطاتها المتنوعة من حمل ووحم ووضع ونفاس وتربية…تعلمت في مدرستها الكثير ولازلت، وأدركت من المعاني مايجعل المرء يعيد التفكير في معاملته لأمه فإن كان محسنا زاد في إحسانه وإن كان غير ذلك أحجم واحتشم.
ولعل أكثر ما أدهشني وأنا أطأ أعتاب هذه المدرسة العظيمة هو الألم…أجل ألم الولادة الخرافي! ولذلك قد تفضل بعض النساء ولادة قيصرية بدون ألم، مع استعمال إبرة الظهر la péridurale، تُبرمج بالاتفاق مع طبيبهن المختص لتخفف عليهن حدة هذا الألم القوي، مقابل ألم أقل حدة لكنه يستمر لمدة أطول حتى يندمل الجرح وتسقط الغُرز، كما أن الكثيرات يكنّ مضطرات لشق بطونهن لا مخيرات.
و تختلف حدة الألم من امرأة لأخرى كما يختلف عند نفس المرأة من حمل لآخر، وقد يستمر لساعات قليلة كما قد يستمر لأيام ويشتد قبل الوضع بلحظات ترى فيها الموت يمد كلتا يديه إليك. وجع شديد تارة يمنعك من الجلوس لفترة طويلة فتظل على حالك جيئة وذهابا كالمجنون وتارة يشل حركتك ويقعدك كالمغشي عليه من الموت، لكنّ يد اللطيف ما تلبث أن تمتد إليك وتحيطك بوابل من الصبر والقوة لا عهد لك به، وكأنها تُعدك لما يَقدُم من الأيام، وليست مكنتي الأدبية ومقدرتي على الوصف ترقى للتعبير عن ذلك المشهد بدقة، ولو أن أحدهم أوتي من البيان حظا أوفر مما أملك لاستطاع أن يصور بدقة بعضا من ذلك الحدث الجلل…أي نعم! إنه لأمر عظيم ذاك الذي تتمخض فيه روح عن روح، وما تكاد المرأة تسمعُ أول صرخة لوليدها حتى تنسى كل وجع مرت به ومرّ بها، وكأنها لم تكن قد أنَّت للتو، فسبحان اللطيف الخبير!
ثم تأتي مرحلة أخرى تدعى النفاس تستمر لأربعين يوما في الغالب، تعفى فيها المرأة من جُلِّ فرائضها…وتكون أحوج ما تكون إلى الراحة والاهتمام لاسترجاع عافيتها، لكن المؤسف في الأمر أن الكثيرات لايظفرن بشيء من ذلك لقصور فهمٍ أو إهمالٍ، ما قد يؤدي بهن-مع تظافر عوامل أخرى- إلى اضطرابات نفسية قد تفضي إلى اكتئاب ما بعد الولادة.
وكلما توغلت الأم في هذه المدرسة زادت دروس الصبر والجَلَد استعصاءً، فمدرسة الأمومة أكثر تعقيدا مما يظن الكثير من الناس، أن تكون أُمّا معناه أن تكون قادرا على البذل والعطاء والتضحية بدون مقابل، وأن تبذل النفس والنفيس للعناية بكائن جديد ينتظر منك كل شيء، وأن تستيقظ بعد منتصف الليل وأنت بالكاد أغمضت عينيك مفزوعا لأن صغيرك قد أنَّ أو أصدر صوتا فتخاف أن يغُص بِرِيقِه…أن تبيت سهرانا الليالي ذوات العدد عندما يكون مريضا وتتمنى أن ما أصابه أصابك وهو في عافية، أن تعتني به حتى في أحلك حالاتك وأصعَبها، أن تُؤثره على نفسك، أن تضع اللقمة في فِيهِ فتجد حلاوتها في فمك…أن تكون أمًّا معناه أن تكون كل ذلك وأكثر، بل تقوم بذلك ولا تنتظر شكرا ولا تشجيعا من أحد. لا تنتظر أن تؤخذ لك صورة تذكارية ولا أن تقدم لك هدية تقديرية…بل تبذل كل ما بِوسعك بكل حب وعطف ورحمة، وتستلِذ التعب وتستحليه في سبيل ذلك؛ وكأنك تجسد قول القائل: “ضرب الحبيب كأكل الزبيب”.
أخيرا وليس آخرا، فكل ماذُكر آنفا من اعتناء ورعاية ورحمة بالمولود ليس إلا نقطة في بحر رحمة عظيمة جعلها الله في قلوب الوالدين عموما والأمهات خصوصا، وقد أحسن شوقي إذ قال:
“وَإِذا رَحِمتَ فَأَنتَ أُمٌّ أَو أَبٌ
هَذانِ في الدُنيا هُما الرُحَماءُ”
ويبقى أن أقول أن الرجل بدوره كلما كان قريبا من زوجته، أدرك بعضا من هذه المعاني؛ فَيرى في صنيع زوجته بعياله وعطفها عليهم صنيع أمّه به، ويرى في صنيعهم بها صنيعه بأمه، فلا يملك إلا أن يُقبل رأسها ويستسمحها على الذي مضى أو يهاتفها إن كان بعيدا عنها، أو يترحم عليها إن هي غيّبها الموت عنه ويردد بحق “الله يسمح لينا من الوالدين”.