حينما يكون النصف حلا

229
تأتي الخيبات حين لا نتوقع مجيئها، حين نأمن المحيطين بنا على حياتنا، نفتح حصون قلعتنا، ونفترش لهم السجاد الأحمر، فيدخلون من أي باب شاءوا، ويمرون من أي ممر أرادوا…فيصلون إلى الغرفة الكبرى، حيث ما سعينا إلى إخفاءه يصبح متاحا ومكشوفا. وفي لحظة حقيقية حين تأتي المواقف الصادقة، نلتفت يمينا ويسارا، ننادي عليهم ونحتاجهم بجانبنا، ونعاود النداء بأعلى صوت، يتردد صدى صوتنا لا مجيب، كانوا هنا…مروا وانسلوا، بلغوا إلى ما أرادوا وتركوا القلعة مشرعة منهكة…

ما أصعب أن تصاب بخيبة أمل، فتختار الانعزال القسري، تنزوي في الغرفة التي اتشحت بالسواد، كأنها تؤازرك، وتشرع تعد الخيبات التي مررت بها واحدة تلو الأخرى، كأن الخيبة تأبى أن تأتي وحيدة فلا تأتي إلا مجتمعة، مثل عقد انفرط فتتابعت حباته…النافذة لم تسمح بمرور أشعة الشمس الدافئة، حافظت على برودة الغرفة الباردة برودة الموتى. يقال: “على قدر الارتفاع يأتي السقوط” وها أنذا أسقط من شاهق. لم أعلم أن العواقب ستكون وخيمة، وثقت بهم فلم أدع مجالا للشك. فتحت الأبواب وتناسيت إقفالها، وتركت المفاتيح متاحة يدخلون متى شاءوا…
قُرِع ناقوس الخطر في القلعة حينما تُركت الأبواب مشرعة للرائح والعائد، للصادق والكاذب، للحبيب والعدو. لم أبال…أزكَمَتْ أنفي رائحة نفاقهم وخداعهم وزيفهم فتجاهلتها، ظنا مني أنهم أسمى من أن يخونوا ويفضحوا، وها أنا اليوم أقف على خطأ توقعاتي، أو سأكون دقيقا وأقول أسقط على خطأ توقعاتي، فالقدرة على الوقوف لم تعد متاحة…بعد ماذا؟ بعد الثقة التي انتُهكَت وعَثَوْا فيها فسادا…
في الوقت الذي تنتظر فيه الجروح القديمة أن تشفى، تأتي جروح أخرى أكثر عمقا، بعدما قاومتَ هذا الإحساس وعانيت منه كثيرا. تتكرر المأساة تعتصر القلب وتشل الذهن…بين منكر ومصدق لما وقع، تطفو من جديد أحاسيس التيه وعدم الثقة بالجميع، كل من كانوا بعيدين، كانوا جيدين، كلما اقتربوا اكشفنا زيف شعاراتهم وخطاباتهم وألوانهم، وظل لون واحد يملأ قلوبهم. تجمدت القلوب وأصابت الخبائث العقول فصارت رائحة زيفهم تملأ الأرجاء.
ما هذا الذي يحدث؟ أظلمت، فاستحكمت حلقاتها، فأتت الضربة موجعة…من كان قريبا ستكون ضربته قاتلة، والتعافي منها قد يحتاج شهورا وأعواما، وقد لا يلتئم الجرح. جرح غائر ذاك الذي قد يسببونه حينما تأمنهم على حياتك واختياراتك، فإذ باليد التي تخالها تمتد لتساعدك وستحمل زهورا، تدمي قلبك وتحمل شوكا تدقه في قلبك، وتطوق عنقك باليد الأخرى تريد أن ترديك قتيلا.
تلك الخيبة التي ترتع منك وتضعفك، تلقي بك عُرض الحائط، في غير مبالاة، وتقعدك أرضا من غير اكتراث…لطالما وضعتَ لمشاعرهم اعتبارا، خشيتَ أن تجرحهم من غير قصد، أن تنبس شفاهك بشيء ويفهموا غيره…اخترت الوضوح، والإقبال بمشاعر كاملة صادقة، لم تشأ أن تقدم نصف مشاعر…عمِلتَ بنصيحة جبران خليل جبران، ولا أظنه كان يقصد هذه الطينة من الناس! فحينما قال “أن النصف هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها، وهو ابتسامة أجلتها، وهو حب لم تصل إليه، وهو صداقة لم تعرفها، النصف هو ما يجعلك غريبا عن أقرب الناس إليك، وهو ما يجعل أقرب الناس إليك غرباء عنك. النصف هو لحظة عجزك وأنت لست بعاجز، لأنك لست نصف إنسان”. هؤلاء إن عاملتهم بمشاعر كاملة حسبوك ساذجا، واستغلوا ذلك لمصلحتهم، وعِوَض مبادلتك نفس الشعور تجد ضراوة القلوب وشراسة الأحاسيس.