يومي الأخير كطبيب جراح

265

في ماي 2013، تم تشخيص حالة الطبيب المقيم بول كالانيثي، البالغ من العمر 36 سنة، والمتخصص في جراحة الأعصاب بجامعة ستانفورد، كمصاب بسرطان في الرئة في المرحلة الرابعة.

توفي في مارس 2013؛ وكان خلال السنتين الأخيرتين قد واصل تدريبه وأصبح أبا لطفلة، وكتب بروعة عن تجربته في مواجهة الموت كطبيب ومريض في ذات الوقت.

نشر بعد وفاته مقتطفا من مذكراته “عندما يصبح التنفس هواء”، والذي سيصدر في 12 يناير عن دار “راندوم”.

خرجت بسرعة من الفحص بالأشعة، لقد عدت بعد سبعة أشهر إلى الجراحة، كانت تلك آخر حصة فحص بالأشعة قبل أن أنهي فترة التدريب، قبل أن أصبح أبا، وقبل أن يصبح مستقبلي حقيقيا.

التقني: “هل تريد إلقاء نظرة أيها الطبيب؟”

أنا: “ليس الآن، لدي الكثير من العمل اليوم”.

لقد كانت الساعة تشير إلى السادسة مساء، كان يجب أن أزور مرضاي، وأن أنظم جدول غرفة العمليات ليوم غد، واستعراض صور الأشعة، وإملاء ملاحظات العيادة، والتحقق من بعض الفحوصات التي تم إجراؤها بعد العملية، وما إلى ذلك.

الساعة تشير إلى حوالي الثامنة مساء، جلست في مكتبي لجراحة الأعصاب بجوار جهاز مراقبة فحوصات الأشعة. لقد قمت بتشغيله، واطلعت على بعض فحوصات مرضاي لليوم التالي -هناك حالتان بسيطتان لفص العمود الفقري، وأخيرا، اسمي مدرج على فحص بالأشعة. مررت بصور الفحص، كأنها دفتر رسم خاص بطفل، وقارنت بين الفحص القديم والجديد، كل شيء بدا طبيعيا، بقيت الأورام القديمة على حالها بالضبط.. باستثناء، لحظة!

رجعت إلى صور الأشعة، ونظرت مرة أخرى. ها هو ذا! ورم جديد وكبير كان يملأ الفص الأيمن المتوسط؛ لقد بدا بشكل غريب، كقمر مكتمل ينير الأفق. عدت إلى الفحوصات القديمة، كان بإمكاني تمييز أثره الخافت، كان كندير شبح أتى الآن إلى العالم.

أخذت الأمور ببساطة، لم أكن خائفا ولا منزعجا، كانت كحقيقة حول العالم، كالمسافة بين الشمس والأرض.

توجهت إلى منزلي، وأخبرت زوجتي لوسي.

كانت ليلة الخميس، ولا يمكننا رؤية إيما، طبيبة السرطان المتتبعة لحالتي، حتى يوم الاثنين، ولكن جلست أنا ولوسي في غرفة الجلوس، كل مع حاسوبه من أجل رسم الخطوات التالية: خزعات، وفحوصات، وجلسات العلاج الكيماوي.

سوف يكون العلاج هذه المرة أشد صعوبة في التحمل، مع إمكانية بعيدة لحياة أطول.

كتب ت. س. إليوت مرة: “سمعت في ظهري انفجارا باردا لحشرجة عظامي، وانتشار ضحكة مكتومة من الأذن إلى الأذن”.

مزاولة مهنتي كجراح للأعصاب أصبحت غير ممكنة لأسابيع، أو ربما لأشهر أو إلى الأبد، لكن قررنا عدم اتخاذ أي قرار حتى يوم الاثنين.

اليوم هو الخميس، لقد قمت مسبقا بتحديد عمليات الغد، الذي سيكون كآخر يوم لي كطبيب مقيم.

في اليوم الموالي على الساعة 5:20، خرجت من سيارتي قاصدا المستشفى، استنشقت بعمق وشممت شجرة الأوكاليبتوس و… هل كان ذلك الصنوبر؟ لم ألاحظ ذلك من قبل.

التقيت بفريق الأطباء المقيمين أثناء القيام بجولة الصباح. استعرضنا الأحداث التي وقعت ليلة أمس: المرضى الجدد، والفحوصات الجديدة؛ وبعد ذلك ذهبنا لنلقي نظرة على مرضانا قبل حضور مؤتمر الاعتلال والوفيات، وهو لقاء دوري يجمع أطباء جراحة الأعصاب لمراجعة الأخطاء والحالات التي وقعت.

أمضيت بعد ذلك بعض الوقت مع المريض السيد R الذي كان قد أصيب بمرض نادر يسمى Gerstmann’s، والذي بعد أن قمت بإزالة ورم من مخه بدأت تظهر لديه حالات عديدة من العجز: كعدم القدرة على الكتابة، وتسمية أصابعه، والقيام بالعمليات الحسابية، وتحديد اليسار من اليمين.

رأيت مثل حالة السيد R مرة واحدة عندما كنت طالبا قبل ثمان سنوات، كان ذلك أول مريض لي كنت أتابع حالته في قسم جراحة الأعصاب.

كان مثل السيد R مفعما بالنشاط، وتساءلت عما إذا كان ذلك جزءا من المتلازمة التي لم يلاحظها أحد من قبل.

لكن حالة السيد R كانت تتحسن: لقد عاد نطقه تقريبا إلى طبيعته، لقد كان نطقه متأخرا فقط بعض الشيء، من المحتمل أن يتماثل للشفاء بالكامل.

مر الصباح، غسلت يدي للحالة الأخيرة. فجأة شعرت بعظمة اللحظة، هل هذه آخر مرة أغسل فيها يدي؟ ربما هي كذلك.

شاهدت رغوة الصابون تقطر من ذراعي، ثم تذهب في البالوعة.

دخلت غرفة العمليات، لبست رداء العمليات، غطيت المريض، تأكدت من أن الزوايا حادة وأنيقة. كنت أريد أن تكون هذه الحالة مثالية. فتحت الجلد الذي يوجد أسفل الظهر لقد كان رجلا عجوزا يشكو من تحلل عموده الفقري وضغط جذوره العصبية، مما سبب له ألما شديدا.

سحبت الدهون حتى ظهرت اللفافة وشعرت بأطراف فقراته. فتحت اللفافة وقمت بتشريح العضلات بسلاسة حتى ظهرت الفقرة الكبيرة والوحيدة، متلألئة من خلال الجرح، نظيفة وخالية من الدم.

كان الطبيب المقيم يتجول هنا، حين شرعت في إزالة الصفيحة، وهو الجدار الخلفي للفقرة التي تنمو نموا زائدا مما يؤدي للضغط على الأعصاب.

قال: “يبدو هذا جيدا، إذا كنت تود حضور مؤتمر اليوم يمكنني إكمال العملية”.

بدأ ظهري يؤلمني، لماذا لم أتناول سلفا جرعة زائدة من مضادات الالتهاب غير الستيرويدية؛ من المفترض أن تكون هذه الحالة سريعة، لقد أوشكت على الانتهاء.

“لا -أجبت- أريد أن أكمل هذه الحالة”.

قام الطبيب المقيم بالتنظيف، وأكملنا معا إزالة العظام؛ بدأ في انتزاع الأربطة التي تكمن تحت الجافية، والتي كانت تحتوي على السائل الفقري وجذور الأعصاب. يعتبر الخطأ الأكثر شيوعا في هذه المرحلة هو تمزق ثقب في الجافية. كنت أعمل على الجانب الآخر، وأمد عيني لأراقب أداءه، ثم لمحت ومضة زرقاء، الجافية بدأت تتسرب.

قلت له: “احترس!”، كان السائل الشوكي الصافي يملأ الجرح مع كل حركة يقوم بها بالأداة التي يستعملها على الجافية. لم يكن هناك أي تسرب في إحدى حالاتي منذ أكثر من عام؛ إصلاحه سيستغرق ساعة أخرى.

“جهزوا المايكرو”، وأضفت “لدينا تسرب هنا”.

بحلول الوقت الذي انتهينا فيه من الإصلاح وإزالة الأنسجة اللينة الضاغطة، أحسست بحرق في كتفي. الطبيب المقيم غادر بعد أن قدم اعتذاره وشكره، وأنا أتممت تقطيب الجرح، لقد جمعت الطبقات جيدا، ثم بدأت في خياطة الجلد باستخدام غرزة نايلون. كان معظم الجراحين يستخدمون الدبابيس، لكنني كنت مقتنعا بأن معدلات الالتهاب تكون أقل إذا استعملنا النايلون، وسوف أقوم بذلك، هذا الإغلاق النهائي على طريقتي.

تجمعت البشرة تماما، دون توتر، كما لو لم تجر أي عملية جراحية على الإطلاق.

حسنا، شيء واحد جيد.

عندما كنا نزيل الغطاء عن المريض، قالت الممرضة -التي لم يسبق لي العمل معها-: “هل لديك مناوبة نهاية الأسبوع، دكتور؟”

“كلا”، وربما أبدا.

“هل لديك حالات أخرى اليوم؟” “كلا”، وربما أبدا.

“تبا، أعتقد ذلك، يعني أن هذه نهاية سعيدة! لقد نجح هذا العمل، أنا أحب النهايات السعيدة، أليس كذلك يا دكتور؟”

“بلى، أنا أحب النهايات السعيدة”.

أثناء تنظيف الممرضات للغرفة وشروع أخصائي التخدير في إيقاظ المريض، جلست أمام الحاسوب لكي أسجل الأوامر، لطالما هددت مازحا عندما كنت مسؤولاً أنه كان يجب الاستماع إلى “Bossa Nova” بدلاً من موسيقى البوب ​​عالية الطاقة التي يحب الجميع تشغيلها في غرفة العمليات؛ وضعت أغنية  Getz / Gilbertoعلى الراديو، فانتشرت الأصوات الناعمة الرنانة للساكسفون وعمت أجواء الغرفة.

غادرت غرفة العمليات بعد ذلك بفترة وجيزة، جمعت أغراضي التي تراكمت على مدى سبع سنوات من العمل، مجموعات إضافية من الملابس لليالي التي نقضيها بالمستشفى، فرشاة الأسنان، والصابون، وشواحن الهاتف، والوجبات الخفيفة، ونموذج جمجمتي، ومجموعة من كتب جراحة الأعصاب، وما إلى ذلك.

بعد إعادة تفكير، تركت كتبي، ستكون أكثر استخداما هنا.

في طريقي إلى موقف السيارات، اقترب مني زميل ليطلب شيئا، لكن جهاز النداء الخاص به انطفأ. نظر إليه، لوح بيده، واستدار عائدا إلى المستشفى: “سأراك لاحقا!” انهمرت دموعي وأنا جالس في السيارة، أدرت المفتاح، وانسحبت ببطء في الشارع، توجهت إلى المنزل، دخلت من الباب الأمامي، وعلقت معطفي الأبيض، ونزعت شارتي الخاصة بالعمل، وسحبت البطارية من جهاز النداء الخاص بي، أزلت المرهم من جسدي واستحممت مطولا.

في وقت لاحق من تلك الليلة، اتصلت بزميلتي المقيمة فيكتوريا، وأخبرتها أنني لن آتي يوم الاثنين، أو ربما لن آتي مرة أخرى، ولن أكون ضمن جدول العاملين بغرفة العمليات.

فقالت: “أتعلم؟ رأيت هذا الكابوس بشكل متكرر، كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي، لا أعلم كيف فعلتَ هذا لهذه المدة الطويلة”.

 

بول كالانيثي/عن مذكرات “عندما يصبح التنفس هواء”.

ترجمة: منى بلخلفي

إشراف: أميمة سليم

تدقيق لغوي: مصطفى الونسافي