أن تؤمن بنفسك!

153

يحدث كثيرا أن تفقد إيمانك بنفسك، بقدراتك، بإمكانياتك، قد يكون هذا نتيجة أزمة شخصية أو فشل على الصعيد المهني أو الشخصي. يمكن أن يكون هذا على نحو عابر ويندر جدّاً أن نرى إنساناً لم يمر بشيء من هذا الفقدان في حياته. أحيانا يكون هذا إيجابيا جداًّ؛ إذ يدفعك للمزيد من صقل طاقاتك وبالتالي المزيد من إيمانك بنفسك. لكن هناك أحيانا حالات من الفقدان المستديم للإيمان بالنفس. هناك ثقافة منتشرة تجعل البعض لايؤمنون بأنفسهم بتاتاً، يرونها شيئا تافها لا تستحق الإيمان .

هناك بشر يولدون، يعيشون، يتحركون،  يموتون ولا يعرفون أن هناك بشرا يُحقنون في طفولتهم خاصة في نشأة مبكرة بحقنات سلبية مركزة تجعلهم يؤمنون بأنهم فاشلون حتماً، بأنه ليس بالإمكان أبدع مما كان. فينزع ذلك منهم فوراً “الإيمان بالإمكان”.

هناك بشر للأسف لايؤمنون بأن بإمكانهم أي شيء. وماذا ستفعل لنفسك أو لأي كان إن كنت لم تؤمن بنفسك؟

كيف ستقود سيارة في شارع مزدحم بالسيارات إن كنت تعتقد أنه لا يمكنك أن تقود سيارة؟ و كيف ستقود حياتك إن كنت لا تؤمن بنفسك؟

المشكلة أن هذا يحدث أحيانا حتى للمؤمنين بالله عزّ وجلّ، فالبعض سيرى أنه لا ربط بين الاثنين (لاعلاقة بين الإيمان بالله والإيمان بالنفس).

في الحقيقة الإيمانان مرتبطان ببعضهما فالإيمان بالنفس هو “ركن” من أركان الإيمان . كيف وأركان الإيمان معروفة ( الإيمان بالله وملائكته ، وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر) .

الإيمان بالنفس هو جزء من الركن الأول “الإيمان بالله”.

كيف؟

أن تؤمن بالله يعني أنك تؤمن بحكمته، فالله عزّ وجلّ الذي تؤمن بحكمته قد عيّن النوع البشري ليكون الخليفة في الأرض. وما دمت تؤمن بحكمته فأنت تؤمن بأن اختياره صعب.

لا يمكن أن يكون قد اختار النوع البشري إلا إن كان هذا النوع قادراً على تحمل المسؤولية. وهكذا فإن الإيمان بالإمكان “الإيمان بالنفس” هو جزء من الإيمان بالله وبحكمته (أن تؤمن بنفسك يعني أنك تؤمن بالله الذي اختارك).

فلنرجع إلى لحظة التعيين الأولى؛ الملائكة هنا تعبّر عن تخوّف ما {…أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ…} للوهلة الأولى سنتوهم أن الملائكة أيضا لا تؤمن بالإنسان لكن لا !  الملائكة هنا لا تشكك بقدرات الإنسان،  لكنها تخاف من أن يتمادى في استخدام هذه القدرات، تخشى أن القدرات الممنوحة للإنسان ستجعله يتمادى لكنها لا تقول أنها لا تؤمن بإمكانيات الإنسان. الله عزّ وجلّ سيقول لهم {إنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.

حتماً سيكون هناك من يتمادى ونحن نرى التمادي في كل مكان. وهناك من سيلتزم، لكن لا يوجد في هذه الآية “آية التعيين الأولى “مايدلّ على اللاإمكان في الإنسان.

هل ستقول أنك بحثت في نفسك ولم تجد قدرات؟؟ الله عزّ وجل قالّ {إنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون}.

فلا تتوهم ولو للحظة واحدة أنك تعلم أكثر مما يعلم خالقك،  لقد اختارك لكي تكون خليفة في الأرض. وما دمت من أولاد آدم فأنت ضمن هذا الاختيار. فإيمانك بالله يحتّم عليك أن تؤمن بنفسك.

كانت لحظة حاسمة، لحظة التعيين تلك! لم تأت في أي من الكتب السماوية السابقة بعبارة أخرى لم يرد في أي كتاب سماوي سابق على القرآن أن الله جعل من الانسان خليفة، كما لم يسبق من قبل أمر الله للملائكة بالسجود ﻵدم.

لماذا؟ لماذا الآن؟ لماذا في الرسالة الخاتمة؟؟

ﻷن البشرية آن لها أن تعي مكانتها الحقيقية، لقد بلغت سن الرشد. وأنت عندما لا تؤمن بنفسك فأنت تنتمي إلى عهود ما قبل القرآن .

في أربعة مواضع من القرآن الكريم جاء قوله تعالى على لسان أنبيائه إلى قومه: {اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ}.

لدينا مكانة رفيعة.. مكانة عليا.. منصب هو الأعلى بين كل المخلوقات ولدينا القدرات.

علينا أن نعمل على مكانتنا. ولا تقل ليس لي قدرات. قال الله لك {إنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون} فتّش عن قدراتك واعمل على مكانتك.

تذكر يا صديق يوم كنت غارقاً في إحساسك بالفشل؟ يوم كنت غارقا في إحساسك بأنك لا تصلح لشيء؟  يومها مددت يدي لأهزك بعنف قلت إني أؤمن بنجاحك وإني لأراه رأي العين.. نجاحاً متألقاً يثير غيض الحاسدين.

لا!  لم أكن مطّلعاً على الغيب، كنت أؤمن بالله فحسب..  ولأني أؤمن بالله فقد كنت أؤمن بك.

 

عن سلسلة “لا نأسف عن الإزعاج” لأحمد خيري العمري

تفريغ : عبير جويط