خواطر من الحج

320

في كل سنة، يصطفي الله ثلة من عباده ليحجوا بيته الحرام، منهم التقي ومنهم العاصي، منهم الشباب ومنهم الشيوخ، منهم حفظة القرآن ومنهم من لا ينطق حرفا من لغة القرآن، منهم المشايخ والفقهاء ومنهم حديثو العهد بالاسلام، منهم من يحج كل سنة ومنهم من لم يتمتع من قبل بالنظر للبيت الحرام، منهم من يخطط للحج ويدبر منذ سنين ومنهم من لم يفكر يوما في الحج حتى وجد نفسه من المصطفين…

مهما فكر الإنسان وحلل، يبقى عقله قاصرا على فهم أسرار ذلك الاصطفاء، ولكني كنت أحب أن أستمع إلى قصص الحجاج الذين ألتقي بهم، أتأمل فيها وأحاول أن أخمن الحكمة من اصطفاء الله لهم ليكونوا من ضيوفه دون باقي العباد…
فهذه شابة قدمت لتحج شهورا بعد وفاة والدها، لا بد أن الله أراد بذلك أن يواسيها ويخفف عن كربتها.. وهذا رجل تقي ورع، يبدو أن الله يجازيه عن حسن عبادته…وهذه امرأة متكبرة ذميمة الأخلاق، ربما أرادها الله أن تعيش تجربة الحج وتتعلم بذلك قيمة التواضع والرفق بالآخرين…وهاذان زوجان لم يرزقهما الله الذرية، فاستضافهما لتطييب خاطرهما وليجعل دعاءهما في يوم عرفة فاتحة خير عليهما.. وذاك الكهل وزوجته، أراد الله أن يكلل قصة حبهما بحجة لبيته في آخر أيامهما.. وهذا الرجل يحج كل سنة، سخره الله لخدمة الحجاج وإرشادهم.. وذلك الشاب الذي يحب الحياة والسفر في أنحاء العالم ولم تخطر على باله يوما فكرة الحج، أحب الله أن يقربه إليه وينشئه في طاعته.. وتلك المرأة التي وجدت نفسها وحيدة في رحلة الحج العصيبة، ابتلاها الله بالوحدة لتعلم أنه تعالى معها أينما حلت وارتحلت، حتى لو تخلى عنها كل البشر…

الحج تجربة فريدة، وعبادة مميزة لم نعتد عليها، تُعلٍّمنا كيف نعبد الله في حركاتنا وسكناتنا، في سعينا وقعودنا، في خلوتنا وتجمعاتنا.. اعتدنا إن أردنا التقرب من الله عز وجل، أن نكثر من الصلاة والصيام، كما هو الحال في رمضان أو الأيام العشر من ذي الحجة ونحن في بلد إقامتنا.. أما في الحج فالأمر مختلف تماما، فالحاج غير مطالب بالصيام خلال أيام الحج وخاصة يوم عرفة، والصلوات هناك تصلى قصرا، فلا نوافل ولا قيام.. يمضي الحجاج خمسة أيام في خيام منى، ليس هناك من شغل يشغلهم بعد أداء المناسك، سوى ذكر الله تعالى.. أن تجلس في مكانك تذكر الله لساعات طوال، من الأمور التي لم نعتد عليها.. ففي خضم حياتنا اليومية السريعة المشحونة، قد نختلس دقائق نردد فيها أذكار الصباح، قد نذكر الله عند طول انتظار لملء الفراغ.. أما هنا، فأنت ترابط من أجل ذكر الله: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} تسبحه وتكبره وتحمده وتتلو آياته وتدعوه بكرة وعشيا، تتأمل في ملايين خلقه الذين حجوا إليه، ترمي طرفك نحو الخيام البيضاء اللامتناهية، فتحس برهبة كبيرة من هول المشهد، تتدبر في ملكوته فتنطق “الله أكبر”، فيخشع بها قلبك، تدمع لها عيناك.. هنا تذكر “أشهد ألا إله إلا الله” فيقشعر بدنك وكأنك تنطقها لأول مرة.. هنا عندما تردد “حسبي الله ونعم الوكيل” فأنت تعلم يقينا أنك لن تؤدي المناسك بقوتك، ولا بمساعدة قريبك ولكن بتوفيق الله وعونه لك… هنا تحمد الله، بكل جوارحك، حمدا كثيرا مباركا فيه أنه استضافك عنده.. هنا، لذكر الله طعم آخر، هنا تتعلم أن تتفرغ من أجل ذكر الله، عوض أن تملأ فراغك بذكره..

لكل منسك من مناسك الحج معان وشجون تحفر في القلب آثارا عميقة، فيض من المشاعر تشحن القلب من حمد ورضا إلى ذل وبكاء ثم حب ورجاء..
لكل منسك عظمته وأثره، ولكل حاج قصصه وخواطره، والمبيت في مزدلفة كان له وقع خاص…
في مزدلفة، تقضي ليلة العيد في العراء، تفترش التراب وتلتحف السماء…تلك الليلة التي اعتدت على قضائها وسط الأحباب، وبين أكناف الثوب الجديد..


في مزدلفة، قد تنام ولا تعرف هوية من يستلقي بجانبك، وتجهل من تتقاسم معه مسند رأسك…
في مزدلفة، تطمئن نفسك وتخلد للنوم وسط أصوات الحجاج وحركتهم، بل وحتى ركلاتهم…
في مزدلفة، قد يتعذر على المرء قضاء حاجته، أو إيجاد القليل من الماء للشرب أو الوضوء…
في مزدلفة، تتذكر اللاجئين، وتدعو مع المنكوبين، وتذوق القليل من عيش المشردين…
في مزدلفة، تذوب الفوارق، ولا ينفعك مالك ولا سلطانك لتظفر بظروف أفضل…
في مزدلفة، تتتأمل، وتتفكر وتتذلل للكبير المتعال…
في مزدلفة، هناك بعض المنغصات التي قد تعكر صفو الحاج وتحول بينه وبين الاستمتاع بهذه المعاني الجميلة، ولكنك تغض الطرف عنها وتمتع عينك بصفاء السماء، تصم أذنك عن الضجيج لتسمع صوت روحك وهي تناجي خالقها، تتغاضى عن الأذى الذي قد يلحقك لترقى بنفسك وأخلاقك…
ويبقى المبيت في مزدلفة من أعظم التجارب التي قد يعيشها الإنسان في حياته، والتي لن تتاح له إلا هناك في أرض مزدلفة، في ذلك اليوم، في تلك السويعات…

في الحج، يجتمع الملايين من البشر ليؤدوا المناسك في نفس المكان والزمان.. والمفلح من ترفع عن التزاحم وغلَّب خلق التراحم..
عندما أتوضأ بكوب من الماء وأقتصر على الفرائض تفاديا للازدحام… فهذا تراحم
عندما أتنازل عن القيام بطواف التطوع، حتى لا أعيق على الحجاج طواف الواجب… فهذا تراحم
عندما أطوف وقلبي متشوق لتقبيل الحجر الأسود والوقوف بالملتزم، ولكني أترفع عن التدافع للوصول إليه… فهذا تراحم
عندما أكتفي بالصلاة بساحة الحرم لامتلاء داخله.. فهذا تراحم
عندما أكتفي بزيارة واحدة للروضة الشريفة، حتى أترك المجال للآخرين للقيام بالزيارة… فهذا تراحم
عندما أؤجل القيام ببعض المناسك في أفضل أوقاتها، وأعمل بالتراخيص التي أفتى بها العلماء تفاديا للازدحام… فهذا تراحم

مواقف كثيرة تمتحن فيها صبرك ورحمتك، ومشاهد عظيمة تُهذٍب روحك.. ومن أكثر المشاهد رحمة، تلك اللحظات التي عايشناها مع تلك الأسرة التي قل نظيرها، رجل في الثمانين من عمره، يأتي ليحج رفقة زوجته المقعدة رغم حالتها الصحية الحرجة، يرافقها للقيام بجميع المناسك، يصر أن يدفع عربتها بنفسه رغم بعض المسالك الوعرة، يحملها على ظهره رافضا مساعدة الحجاج الشباب، يحمل حقيبتها الثقيلة وهي تنغرس في ظهره، يحدثها ويمازحها ويداعبها كالطفلة الصغيرة…أسابيع قليلة بعد عودتهما من الحج، أخذ الله روحها، تاركة وراءها رجلا عظيما أبى إلا أن يوفيها حقها قبل الفراق…