عيد في بلد الحريات

274

من صور تجليات إكرامه سبحانه وإنعامه علينا وجزيل عطائه لنا، أن مَنَّ علينا بمواسم خير وبركات. مواسم من النفحات الربانية نستقي من رشح معانيها ومما ينضح من أفضالها على مدار السنة. من أجَلِّ وأسمى هذه المواسم وأعظمها، يوم النحر، أو يوم الحج الأكبر؛ ففيه نتقرب إلى الله بعبادات اختصت بها دون غيرها من الأيام، نقتدي فيها بأنبيائنا عليهم السلام، وتدخل فيها الفرحة على قلوب الأنام، ونرسخ فيها اعتزازنا وفخرنا بانتمائنا لدين الإسلام، فنكبر ونهلل صادعين بصوت الحق في كل مكان.

إلا أن امتزاج ما هو ثقافي بما هو ديني تعبدي في حياتنا اليوم، غالبا ما يجعلنا نغفل عن المعاني الجليلة والمقاصد السامية التي رمى إليها الشرع الكريم عند سنّه هاته المناسك. ونتيجة لهذا الخلط للأسف، نغفل عن تعظيم هذه الشعائر التي يعد تعظيمها من تقوى القلوب، وينساق بعضنا وراء دعوات مغرضة تصور المشهد التعبدي وكأنه مشهد عنف وبربرية وانتهاك لحقوق الحيوان أو الطفل أو غيره.

شاءت الألطاف الإلهية أن أقضي العيد هذه السنة مغتربا عن بلدي وأسرتي. ليجدني بمدينة سان فرانسيسكو بكاليفورنيا، أحد أشهر المناطق في العالم -فمن لا يعرف “السيليكون فالي” وثراؤه وإنجابه لرواد العالم في مجالات عدة- المعروفة بتنوعها الصارخ على كل المستويات، ولا حاجة لتحديد مجال دون الآخر فلكم أن تتخيلوا ما تشاؤون. لم ولن أقارن بين طقوس العيد هناك وطقوس العيد بالمغرب فلا وجه للمقارنة، إلا أني أريد تسليط الضوء على مشهد أثار فضولي في منطقة يزعم أهلها وساكنوها أنهم يعيشون حرية لا تضاهيها حرية، ففي استطاعتهم أن يدخنوا الحشيش في الشارع وأن يتزوجوا من أي جنس أرادوا وأن يقودوا السيارة بأي رخصة سياقة من أي بلد في العالم وغيره من الحقوق التي يتباهون بسنها في ولايتهم.

صبيحة العيد لبست جلبابي المغربي وطربوشي الأحمر وطلبت أوبر مهللا مكبرا خلال انتظاري إياه وأيضا عند ركوبي السيارة، وقد استبشر خيرا السائق بذلك وتهلل وجهه فرحا، وبارك لي العيد وإن كان أول مرة يسمع عن ذلك. ثم وصلت المسجد وهو مسجد جميل تنبعث منه رائحة زكية وأصوات مكبرة عذبة ظلت على حالها حتى وصل الإمام بزيه الرسمي، ربطة عنق عريضة بثلاث ألوان أزرق أحمر وأبيض وبدلت زرقاء وقميص أبيض. أمّ بنا الصلاة ثم ألقى خطبته التي كانت باللغة الإنجليزية مع بعض العربية المتناثرة هنا وهناك عند ذكر حديث أو آية. تحدث في موضوع الخطبة عن هموم واهتمامات الحاضرين، انتقد فيها أعلى سلطة في البلاد بشكل أفزعني لأني ما اعتدت عليه على الأقل في مثل هذه المناسبات. اتهمهم بالعنصرية والتمييز ضد المسلمين، ووصف فيها حال المسلمين بالعالم والوضع السياسي وغيره من القضايا لأول مرة أسمع إماما يتحدث عنها في منبر. انتهت الخطبة وبدأ الناس يسلمون على بعضهم البعض بلغات مختلطة من أردي وفارسي وعربي إلى إنجليزي وغيره. ثم ذهب الكل إلى البهو حيث تم إعداد مائدة إفطار مليئة بحلوى أعياد الميلاد والمشروبات الباردة. هنا تساءلت عن محل قوله تعالى فصل لربك وانحر. أليس من حق هؤلاء الناس أن يمارسوا شعائرهم بالكامل وأن يدينوا لربهم كما يعتقدون؟ أليس تضييقا على الحريات هذا؟ أو أعجزهم إيجاد حلول لممارسة هذا الطقس بهذه البقعة من الأرض؟ أم أن ربط العنف بالمسلمين والإسلام جعلهم أنفسهم يتبرؤون من عباداتهم؟

ليست القضية مسألة تناول لحم أو حلويات صبيحة الأحد أو الاثنين بل هي أكبر من ذلك بكثير، إنها مسألة تعظيم شعائر الله في أرض يصورها الإعلام على أنها جنة الحريات في العالم والأكثر تحضرا على وجه البسيطة، مازال فيها المسلمون لا يستطيعون ممارسة شعائرهم بشكل كامل.

امتزاج ما هو ثقافي بما هو ديني ليس عيبا ولا هو بالشيء المشين مادام استحضار الوازع الديني للطقس سيظل حاضرا، فالاعتزاز بالثقافة أمر مطلوب وجميل، من طريقة اللباس إلى إعداد الأطباق وغيرها، إلا أنه وحده لا يكفي وقد يفرغ هذه الشعائر من جوهرها النابض فتصبح محل نقد ومساءلة يختلط فيها الحابل بالنابل.