نفسك، ثم نفسك، ثم نفسك…

323

“إن سُئلت عن الأشخاص الذين تحبهم فكم من الوقت ستستغرق حتى تذكر نفسك؟” كان لهذا السؤال أثر كبير في إيقاظ جيش من الأسئلة في عقلي، لماذا لا تحظى أنفسنا بمكان ولو صغير بين المراتب الأولى في لائحة المحببين إلينا والذين قد نعدّ أسماءهم دون طول تفكير؟ أين حشرنا حبها في قلوبنا فغاب عن وعينا إلى هذه الدرجة؟ ثم إن كل من نذكر أسماءهم نحاول جاهدين تعليل حبنا لهم فمنهم من نحبه لوجوده دائما إلى جانبنا ومن يساندنا ومن يشجعنا ومن يستمع دون ملل لشكوانا ومن يشاطرنا لحظات الفرح ومن يفتعل ذلك الفرح وينير عتمة الحياة بروحه المرحة في اللحظات الحالكة ومن يمسك بأيدينا في الرحلة نحو المجهول لاكتشاف أشياء جديدة ومن يحلو معه النقاش فيفتح لعقولنا آفاق مختلفة ومن يُزين الحياة بطيب كلامه ولِين قلبه…

إِنْ تمعنّا جيدا في الأمر سنُدرك أن أنفسنا تعمل جاهدة لتوفر لنا كل هذه الأشياء. فهي رفيقة الدرب منذ بداية الرحلة. كانت هنا دائما في لحظات الحزن وفي لحظات الفرح، في أيام الجد وفي أيام الكسل، في ساعات الانتصار وخلال ساعات الهزيمة، في أوقات التعلم وفي أوقات النقاشات العميقة وكذلك السخيفة منها، لم تتخل يوما عنا ورغم ذلك لم نمنحها الكثير من الثقة وما يكفي من الحب.

تأملت واقع هذا الأمر بتأنٍّ فهاج عقلي لهذا الاكتشاف الذي بدا لي مثيرا أول الأمر إلى أن أدركت جيدا أنه كان شيئا جليا واضحا وما كان يلزمه الكثير من التنقيب والتفكير حتى أكتشفه، وما كان يحتاج إلى كل هذه الرحلات الطويلة في أعماق نفسي الهائجة حتى أعثر عليه، بل إن الأمر كان يحتاج قليلا من الحضور والتمعن الصادق فقط لأدرك طبيعة حبي لنفسي ولنوع العلاقة التي تربطني بها.

إن العلاقة التي تربط كل واحد منا بنفسه قد أصابها تشوه كبير وقليل فقط من استطاع تصحيح ذلك التشوه، ومنح نفسه كل الثقة والاحترام الّذَيْن تستحقهما دون إفراط أو تفريط. فالأمر هنا بعيد كل البعد عن عِلل النفس من أنانية ونرجيسية وحب العظمة أو ما شابه، كل هذه الأمراض النفسية التي تكون فيها الذات هي أول الضحايا، فيجني بها الشخص على نفسه من المآسي أكثر مما يجني على محيطه، حتى وإن بدا العكس في الظاهر؛ وليس هذا إطلاقا ما أريد شد الانتباه إليه، بل غايتي أن أدعو كل شخص للبحث عن حصة نفسه من الحب والاحترام ومكانتها الحقيقية الدفينة التي لا تُرى إلا من خلال بعض مواقفه في الحياة ومن مدى سلامة العلاقات التي تربطه بالآخرين. إن أكبر العراقيل التي تمنعنا من تصحيح ذلك التشوه هو غيابه عن بصيرتنا ورفضنا الاعتراف به، ولكن هذا لا ينفي وجوده وبنسب متفاوتة عند كل واحد منا، فهو نتاج طبيعي للتربية التي تلقيناها منذ صغرنا وتأثير المحيط الذي ترعرعنا فيه والذي غالبا ما كان يغيب فيه عنصر تشجيع الطفل وحثه على الاعتزاز بنفسه وبإنجازاته مهما صغُرت ودفعه لاكتشاف نفسه أكثر والتنقيب في دواخله عن مواهبه ومساعدته على تطويرها. فنحن لا يمكننا إطلاقا أن ننكر أن ما تلقاه معظمنا كان يتسم بالإحباط والتقليل من الشأن والمنع من إبداء الرأي أمام الكبار وكذلك الكثير من الإهانات عن طريق الضرب أو الشتم أو السخرية، والتي تعرض لها معظمنا في البيت وفي المدرسة وفي الشارع. وما كان لمن تعرض لكل هذه الأشياء، سواء بدافع التربية والتهذيب أو بدافع التعنيف والترهيب، أن يحب نفسه حبا سويا ويقدرها تقديرا عادلا. وكل خلل في تقدير الذات يبدو جليا من خلال ممارساتنا وسلوكنا في المجتمع حتى وإن غاب عن إدراكنا، وتظل علاقاتنا مع الآخرين خير سبيل للعثور على هذا الخلل فهي كالمرآة تعكس بشكل واضح طبيعة العلاقة التي تربطنا بأنفسنا، وسلامة هذه العلاقات من كل الشوائب دليل على سلامة تلك العلاقة التي نُكوّنها مع أنفسنا من دون أن نشعر. وكلما زاد تقديرنا واحترامنا لذواتنا، إلا وزاد معه نجاحنا في علاقتنا بالآخر التي لا نسمح حينها أن تنبني على شيء آخر غير الإحترام والتقدير المتبادلَين. وحين نحب أنفسنا حبا صادقا غير مشروط فنتقبل فيه بكل فخر نقاط ضعفنا كما نتقبل نقاط قوتنا ونعترف باختلافنا وتميزنا عن غيرنا دون أن نثقل كاهلنا بالمقارانات الفارغة، فإننا بذلك نمنح أنفسنا الحرية لنحب الآخرين ونتقبل محاسنهم ومساوئهم ونجاحهم وفشلهم. كما نتقبلُ أكثر حضورهم وغيابهم ونكسرُ جميع عقد التعلق والتحكم؛ ونمنح مَن حولنا، وأنفسنا أيضا، مساحة أوسع ووقتا أكثر لقضائه مع ذواتنا دون تضييق الخناق بحضور مُلِح ومزعج للآخر.

وقد تكون هناك طرق أخرى كثيرة لاواعية وغير مرتبطة بالآخر تفضح الخلل الذي أصاب هذه العلاقة المميزة لكل منا بنفسه. لذا أنصح كل شخص يرغب في تطوير نفسه وتحسين آدائه كفرد فعال في المجتمع، أن يُعيد النظر من حين لآخر في علاقاته بالآخرين ويدرس توازنها وأن لا يغفل عن التمعن الجيد الصادق في نظرته لنفسه وكيفية تقييمه لعلاقته بها ونوعية الأحاديث التي يشاركها معها وكذلك مدى إيمانه بقدراتها ومواهبها. فالسبيل إلى النجاح يبدأ بالإيمان الصادق بقدرة الفرد على تحقيق هذا النجاح، والطريق إلى التغيير يبدأ بمعرفة النفس أولا ومنحها ما تستحق من ثقة وتشجيعها على نجاحاتها الصغيرة لتستمد منها القوة فتشُق طريقها بكثير من الثقة والالتزام نحو نجاح أعظم ومستقبل أجمل. فنفسك كالوردة تُزهر أكثر وتملأ الدنيا عطرا زكيا كلما رويت عطشها حبا واعتنيت بها أكثر.

لذلك أَحِبَّ نفسك واعتن بها كثيرا ليس من باب “أنا وبعدي الطوفان” بل من باب “أنا وبعدي ربيع مزهر”، لأنه حتما حينما تحب نفسك كثيرا وتعتني بها كثيرا ستُزهر روحك وتغدو ربيعا دافئا يُذيب جليد البؤس الذي يغطي علاقاتك بالآخرين وبأحلامك وبكل طموحاتك.