مقتطفات من غرق الحضارات

99

لطالما شكّل صدور كتاب من تأليف أمين معلوف حدثا. ويسلط مؤلفه الأخير الذي يحمل عنوان “غرق الحضارات” الضوء على الوضع الذي آل إليه كوكبنا الغارق في اختلال العالم.

لقد ولدت بصحة جيدة في أحضان حضارة تحتضر، وطوال حياتي كنت أشعر أنني على قيد الحياة، دون استحقاق أو ذنب، عندما كانت أشياء كثيرة تنهار من حولي، أشبه بشخصيات الأفلام التي تعبر شوارعها جدرانها تنهار وتخرج رغم كل ذلك سالمة  تنفض الغبار عن ملابسها، تاركة خلفها مدينة بأكملها لم تعد سوى كومة من الأنقاض.

لقد كان ذلك امتيازي الحزين منذ أول نفس. ولكن كان أيضا، وبدون شك، سمة طبعت عصرنا إذا ما قارناها بالعصور التي سبقتها. فيما مضى، كان الناس يشعرون بأنهم عابرون في عالم ثابت؛ إننا نعيش فوق أرض أجدادنا، نشتغل كما كانوا يشتغلون، لقد تعالجنا كما كانوا يتعالجون، وتعلمنا كما كانوا يتعلمون، وصلينا بالطريقة ذاتها، وتنقلنا بالوسائل نفسها. أجدادي الأربعة وأسلافهم منذ اثنى عشر جيلا، ولدوا في ظل الامبراطورية العثمانية، فكيف كان بمقدورهم الاعتقاد بزوالها؟

” ذاكرة الورد لم تشهد موت بستاني”، تنهد الفلاسفة الفرنسيون في عصر التنوير وهم يفكرون في النظام الاجتماعي والملكية في بلدهم. اليوم، الورود المفكرة تعيش زمنا أطول ويموت البستانيون. وفي ظرف حياة، لدينا متسع من الوقت لنشهد اختفاء البلدان والإمبراطوريات والشعوب واللغات والحضارات.

تتحول الإنسانية أمام أعيننا. لم تكن مغامرتها واعدة بهذا القدر ولا عشوائية. بالنسبة للمؤرخ، إن عرض العالم مدهش.  ومع ذلك، يجب أن يتكيف مع محنة بلده ومخاوفه.

لقد ولدت في العالم المشرقي. ولكن قد أصبح في عداد النسيان في يومنا هذا، لدرجة أن جل أبناء هذا العصر لم يعودوا بحاجة لمعرفة ما أتحدث عنه.

صحيح أنه لا وجود لأمة تحمل هذا الاسم. وعندما تورد بعض الكتب الحديث عن المشرق، فإن تاريخه يفتقر للدقة، وجغرافيته متغيرة – مجرد أرخبيل من المدن التجارية، غالبا ما تكون ساحلية ولكن ليس دائما، من الإسكندرية إلى بيروت أو طرابلس أو حلب أو سميرنا، ومن بغداد إلى الموصل أو القسطنطينية أو سالونيكا أو أوديسا أو سراييفو.

يشير هذا المصطلح الذي تجاوزه الزمن، كما أوظفه، إلى مجموع الأماكن حيث تلاقحت الثقافات العريقة للشرق المتوسطي مع تلك الثقافات الحديثة للغرب. وكاد أن يولد عن هذه الحميمية مستقبل مختلف لكل البشر.

سوف أتحدث باسترسال عن هذا الموعد الضائع، ولكن يجب أن أقول كلمة منذ الآن حتى أحدد ملامح فكرتي: لو واصل مواطنو مختلف الأمم وأتباع الديانات التوحيدية العيش سويا في هذه المنطقة من العالم ونجحوا في تولي مصيرهم، لقدموا للبشرية جمعاء، من أجل إلهامها وتنوير طريقها، نموذجا بليغا في التعايش المتناغم والازدهار. ولكن لسوء الحظ، وقع العكس، إذ سادت الكراهية، وأصبح عدم القدرة على العيش معا هي القاعدة.

لقد انطفأت أنوار المشرق، وعم الظلام سائر الكوكب. ومن وجهة نظري، فإن الأمر ليس محض صدفة.

إن المشرق المثالي، كما عاشه أسلافي وكما كنت أتوق لعيشه، يقتضي أن يتحمل كل فرد مجموع انتماءاته، والقليل أيضا من انتماءات الآخرين. وعلى غرار كل شيء مثالي، نتطلع إليه دون بلوغه تماما، ولكن الطموح في حد ذاته محمود، إذ يرسم السبيل الذي يجب اتباعه، سبيل العقل، وسبيل المستقبل. سوف أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول إن هذا الطموح هو النقطة المفصلية، بالنسبة للمجتمع الإنساني، ذلك الانتقال من الهمجية إلى الحضارة.

طوال مرحلة طفولتي، كنت ألاحظ سعادة واعتزاز والدي عندما كانوا يتحدثون عن أصدقائهم المقربين من ديانات مختلفة، أو من مدن أخرى. لقد كانت فقط نبرة صوتية بالكاد يمكن تمييزها، ولكن تحمل بين طياتها رسالة. أو تعليمات إن صح التعبير اليوم.

كان يبدو لي الأمر عاديا آنذاك، ولم أكن ألقي له بالا، بل وكنت مقتنعا أن هذا ما يحدث في كل بقاع العالم. في وقت لاحق ، فهمت مدى ندرة هذا التقارب بين المجتمعات المختلفة التي سادت في عالم طفولتي. وكم كانت هشة، في وقت مبكر جدا من حياتي كنت أراها تتشوه، تتحلل، ثم تتلاشى، تاركة خلفها حنين وظلال فقط.

هل أخطأت في تقديري بقول إن الظلمات انتشرت في العالم عندما انطفأت أنوار المشرق؟  أليس من المناسب التحدث عن الظلام عندما نعرف ، أنا وأبناء هذا العصر، التقدم التكنولوجي الأكثر إثارة على الإطلاق،  بينما نملك في متناول أيدينا- كما لم يحدث من قبل- كل معرفة البشر، في وقت يعيش فيه أبناء جلدتنا لفترة أطول، وفي صحة أفضل مما كانوا عليه فيما مضى ؛ في الوقت الذي تخرج فيه العديد من بلدان “العالم الثالث” السابقة ، بدءا من الصين والهند، أخيرا من براثن التخلف؟

وهنا تكمن المفارقة المؤسفة لهذا القرن: لأول مرة في التاريخ، نمتلك وسائل خلاص البشرية كل الآفات التي تواجهها، من أجل اقتيادها بكل أمان نحو عصر الحرية والتقدم الذي لا تشوبه شائبة، والتضامن العالمي والرخاء المشترك، وها نحن نتقدم بأقصى سرعة في الاتجاه المعاكس.

لست من أولئك الذين يرغبون في الاعتقاد بأن “الوضع كان أفضل في السابق”. الاكتشافات العلمية تدهشني، تحرر العقول والأجساد يسعدني، واعتبرها نعمة أن أعيش في عصر مبدع وجامح كعصرنا. ومع ذلك، ألاحظ منذ عدة سنوات، انحرافات مقلقة أكثر فأكثر تهدد بهدم كل ما بنته البشرية حتى الآن، كل ما نعتز به بصورة مشروعة، كل ما تواضعنا على تسميته “الحضارة”.

كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ أطرح هذا السؤال في كل مرة أجد فيها نفسي في مواجهة التشنجات المخيفة لهذا القرن. ما الخطأ الذي وقع؟ ما هي المنعطفات التي لم يجدر بنا أخذها؟ هل كان بإمكاننا تجنبها؟ هل ما يزال من الممكن إعادة السفينة إلى مسارها اليوم؟

إذا ما استخدمت مفردات بحرية٬ فيرجع ذلك للصورة التي لا تفارق ذهني منذ بضع سنوات، وهي مشهد غرق – سفينة حديثة ومتألقة، تتقدم بخطى واثقة، يشاع أنها غير قابلة للغرق كالتايتانيك، وتحمل حشدا من الركاب من جميع البلدان ومن جميع الطبقات، وتتقدم بصخب نحو خسارتها.

هل أحتاج لأن أشير إلى أنني لا أراقب مسارها كمتفرج عادي؟ أنا على متنها رفقة أبناء هذا العصر. رفقة الأشخاص الذين أحبكهم كثيرا وأولئك الذين أحبهم قليلا. مع كل بنيته أو أعتقد أنني بنيته.

لا شك في أنني سأحاول طوال هذا الكتاب أن أحافظ على الطابع الهادئ قدر الإمكان. ولكن بخوف شديد، أشاهد اقتراب جبال الجليد تلوح في الأفق. أدعو السماء بورع ، بطريقتي، حتى ننجح في تجنبها.

بطبيعة الحال، إن الغرق في هذا السياق استعارة. حتما ذاتية وحتما تقريبية. يمكن أن نجد عدة صور أخرى قادرة على تجسيد اضطرابات هذا القرن. ولكن هذه الصورة تسكنني، ولا يمر يوم واحد، في الآونة الأخيرة، دون أن تخطر ببالي.

أحيانا بل في كثير من الأحيان، للأسف، إن منطقتي الأصلية ما يدفعني للتفكير فيها. كل تلك الأماكن التي أحب  نطق أسمائها القديمة – آشور، نينوى، بابل، بلاد ما بين النهرين، إيميسا، تدمر، طرابلس، سيرينايكا، أو مملكة سبأ، التي كانت تسمى “العربية السعيدة” … سكانهم، ورثة أعرق الحضارات، يفرون على قوارب النجاة تماما، كما هو الحال بعد غرق السفينة.

تارة، يعزى ذلك إلى  الاحتباس الحراري. تذوب الأنهار الجليدية العملاقة باستمرار، المحيط المتجمد الشمالي، الذي يصبح قابلا للملاحة خلال أشهر الصيف للمرة الأولى منذ آلاف السنين، الكتل الضخمة التي تبتعد عن أنتاركتيكا، الدول الجزرية في المحيط الهادئ التي تشعر بالقلق من أن تغمرها المياه قريبا… هل سيعرفون حقا، خلال العقود المقبلة، نهاية العالم على شكل غرق ؟

وتارة أخرى، تكون الصورة محسوسة وأقل تأثيرا من الناحية الإنسانية، وأكثر رمزية. وهكذا، عندما نتأمل واشنطن، عاصمة أول قوة عالمية، تلك التي من المفترض أن تقدم مثالا عن الديمقراطية الناضجة وتمارس سلطة شبه أبوية على بقية العالم، ألا يسعنا التفكير في الغرق؟ لا توجد قوارب الموت تطفو فوق نهر بوتوماك، ولكن، بهذا المعنى، فإن مقصورة قيادة سفينة البشر غمرتها المياه، فغرقت البشرية كلها.

وفي أوقات أخرى، يتعلق الأمر بأوروبا، وحلمها بالاتحاد هو، في تقديري، واحد من أكثر الأحلام الواعدة في عصرنا. أين صار هذا الحلم؟ كيف تركنا هذا الحلم عرضة للضياع بهذا الشكل؟ عندما قررت بريطانيا الخروج من الاتحاد، سارع قادة القارة إلى تهوين الحدث ووعدوا بمبادرات جريئة بين الأعضاء المتبقيين لإحياء المشروع. آمل من كل قلبي أن ينجحوا في ذلك. وفي الوقت نفسه، لا يسعني إلا أن أهمس مرة أخرى: “يا له من غرق! ”

طويلة هي قائمة كل ما نجح في جعل الناس يحلمون، ويرفعون معنوياتهم، ويعبؤون طاقاتهم، حتى الأمس فقط، إلا أن هذه الأشياء فقدت جاذبيتها اليوم. إن “شيطنة” المثل، الآخذة في الانتشار، والتي تؤثر على جميع الأنظمة، وعلى جميع المبادئ، لا يبدو لي من المسيء أن أشبهها بغرق أخلاقي عام. في حين أن اليوتوبيا الشيوعية تسقط في الهاوية، كما يرافق انتصار الرأسمالية اندلاعا فاضحا للفوارق. يمكن أن نقبل علة وجودها من الناحية الاقتصادية، ولكن على الصعيد الانساني، والأخلاقي، وكذلك أيضا على الصعيد السياسي، فتعتبر غرقا من دون شك.

هل هذه الأمثلة القليلة توضيحية؟ ليس بالقدر الكافي ،في رأيي. ولكنها تفسر على الأرجح العنوان الذي اخترته، إلا أنها لا تتيح بعد فهما أساسيا. أعني أن هناك فخ يحاك، رغم أن أحدا لم ينصبه عن عمد، إلا أننا نقتاد نحوه جميعا قسرا، والذي يهدد بالقضاء على حضاراتنا.

 عن “لوريان ليتيرير” (الشرق الأدبي)

أمين معلوف، جراسيت، ص 336.

ترجمة : أميمة سليم