الحب يشفيك

366

خلق الله الإنسان وجعل فيه خاصية القدرة الذاتية الداخلية على أن يعالج نفسه ويشفيها بالحب.

أثبتت الدراسات بما لا يقبل الشك العلاقة الوطيدة بين العقل والجسم، وبيّنت الأبحاث الكيفية التي يستطيع بها الحب أن يشفي، فعندما نشعر بالحب، كحب الخالق وحب المخلوقات وحب الكون من حولنا، ونعطيه ونستقبله، فإن الدماغ يفرز مجموعة من الهرمونات، أحدها وأهمها هرمون الأوكسيتوسين، أو ما يلقب بهرمون الحب، وهو الذي يحث الإنسان على الترابط والتواصل والتلاحم مع الآخرين، لكن هذا الهرمون يقوم بوظيفة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها، فهو يحمي من الآثار السلبية الناتجة عن الضغوط النفسية والعصبية والفيزيولوجية بشتى أشكالها.

ففي دراسات علمية عديدة، منها دراسة د. هيلين فيشر، والتي قضت حياتها الأكاديمية كلها محاولة فهم ما يجري في الدماغ عند الحب، وجدت أنه عندما يركز الشخص على من أو ما يحب فإن أجزاء معينة ومحددة من الدماغ تشع أو تضيء، مما يعني أن تلك المنطقة قد فُعِّلت، ومنها المنطقة المسؤولة عن إفراز الدوبامين، والذي يلقب بهرمون المتعة أو السعادة.

 

وتوضح د. فيشر أن هذه الهرمونات التي تفرز في الدماغ وتتناسب مع شدة الحب يمكن أن تُغرق الدماغ بكميات كبيرة لتمنح الجسم النشاط والقوة والحيوية والجَلَد والتركيز والقدرة على الاحتمال، وتجعله قادرا على أن يسهر الليالي دون تعب أو نوم، أو يقطع مئات الأميال من أجل غاية، أو حتى أن يموت من أجل الشخص أو الشيء الذي يحب.

إن الأبحاث العلمية بالاستعانة بالتقنية الحديثة استطاعت أن تكشف لنا أمرا عجيبا يحدث أثناء الإحساس بالحب، فعندما نشعر به  بشكل عام يفرز الجسم مادة حليبية بين خلاياه، ولا نعرف هوية تلك المادة، إلا أننا نعرف أن الخلايا تتقارب من بعضها البعض ويتحسن أداؤها وكأن كل خلية أصبحت تحب أختها وتترابط معها لتحسين الأداء الوظيفي.

فلا عجب أن تجد المحب يشعر بالنشاط والقوة والحيوية وتجده قادرا على التغلب على المشاكل مهما تعقدت والعكس صحيح، فعندما يشعر الإنسان بالحزن أو البغض فإن هذه المادة الحليبية التي بين الخلايا تختفي وتتسارع حركة الخلايا في الجسم وتتنافر كأنها تبغض بعضها بعضا، فيتدهور أداء أعضاء الجسم فيشعر الإنسان أثناءها بالضعف والاكتئاب وانعدام القيمة، بل والعجز عن القيام بأي عمل.

مقالات مرتبطة

إن الحب أغلى وأهم طاقة يملكها الإنسان، وهو يعطي الإنسان فرصة ووقتا لإصلاح ما تلف في الجسم، ويعطيه الطاقة اللازمة لإصلاح الخلايا حتى لا يتأخر الإصلاح، وحتى لا يدفع الإنسان ثمن ذلك في إحدى صور الأمراض المختلفة والتي منها السرطانية.

 

حقا لقد خلقنا الله مهيئين للعلاج والشفاء الذاتي، وجعل الحب أنجح تلك الوسائل لتحقيق الشفاء لأجسادنا وعقولنا وأرواحنا.

تقول د. سو كارتر، من جامعة إلينوي: “إن الإنسان يولد بفطرته مهيئا للتواصل الاجتماعي، وعلى قدر تواصل الإنسان بأواصر الحب مع الآخرين على قدر ما يكون صحيحا جسدا وعقلا وروحا”.

الحب مؤصل في فطرة الإنسان، وفيه الخير الكثير له جسدا وعقلا وروحا، ولأهمية الحب ولمنزلته ومكانته جاء الإسلام حاثا عليه ومهذبا وموجها له ليصب كله لله، فالحياة كلها لله }قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له{، وبالحب تكتشف حلاوة الإيمان، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان -وذكر منها- أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله”، ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان”، وبالحب ندخل الجنة، قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا”، وبالحب تجلب محبة الله كما في الحديث القدسي: “وجبت محبتي للمتحابين فيَّ”.

حقا، إن الحب ينفعك ويشفيك قبل أن ينفع غيرك ويشفيه، فإن كنت حقا تحب نفسك وتسعى لخيرها ونفعها جسدا وعقلا وروحا، فعلم نفسك أن تحب كل من حولك وكل ما حولك لله وفي الله.

 

عن سلسلة “ومحياي” للدكتور وليد فتيحي

تفريغ: حسناء العباسي

تدقيق لغوي : مصطفى الونسافي