لغات التدريس…بين اللغة الأم واللغات الحية!

613

تعتمد المدينة التي أقطنها حاليا شمال اسبانيا والتي تنتمي إلى إقليم الباسك..
على لغتين رسميتين: الإسبانية والباسكية…
والباسكية هي لغة قديمة، صعبة، معقدة، لا يعرفون مصدرها ولا تشبه أي لغة أخرى..
المدارس أيضا تنقسم إلى قسمين: مدارس باسكية ومدارس اسبانية..
ولأنني قضيت وقتا مطولا في دراسة نظام المدارس هنا، حتى أعرف ما الأفضل لإبني، وجدت أن المدارس التي تعتمد على بيداغوجيات حديثة في التعليم، وعلى أحدث الفضاءات هي المدارس التي تعتمد اللغة الباسكية…

زرت منها مدرسة عمومية مجانية، لا تدفع فيها أية رسوم، قائمة على نظام المونتسوري، حيث الأقسام في غاية الروعة، تجعلك تتمنى لو ترجع إلى مقاعد الدراسة…
الملصقات في المراكز الثقافية تدعو الآباء إلى تسجيل أبنائهم في هذه المدارس “لأنها المستقبل” و “لأنها الأفضل”.

التقيت أيضا بأولياء أمور لا يعرفون من الباسكية إلا القليل، ورغم ذلك فقد سجلوا أولادهم في المدارس بهذا النظام..

بالطبع أن للموضوع خلفيات سياسية يجب أخذها بعين الاعتبار وهي المحرك لكل هذا،
لكن مايهمنا من الأمر هو أن نلاحظ كيف أن لغة كادت أن تموت يعاد إحياؤها.. كيف ذلك؟ في الحالة التي نتحدث عنها، بأن قدموا خدمات معرفية مميزة بتلك اللغة وهذا يعني مجهودا جبارا في الكواليس من ترجمة للعلوم وعطاء فكري وعلمي بلغتهم وتكوين للأساتذة.. الذي جعل أولياء أمور جيل المستقبل يرسلون أولادهم لدراسة هذه اللغة منذ نعومة أظفارهم..

إن أسقطنا الأمر على اللغة العربية، فرغم أن اللغة غنية في الأصل، لا يخفى على الجميع فقرها الحالي في العلوم، وندرة المصادر فيها مع أنها اعتادت أن تكون لغة العلم..
لهذا يمكن أن نتفهم كونها ليست اللغة المعتمدة في التعليم الحالي، فأسهل الحلول اقتضى أن يتم التدريس باللغة الفرنسية في التعليم العالي والآن اعتمادها في مستويات دراسية أدنى…
لكن إن كان هذا أسهل الحلول، فهل هو أفضلها؟

شخصيا أعتبر التدريس بلغة غير اللغة الأم، معيقا للتحصيل العلمي أولا ثم للإنتاج العلمي فيما بعد…
فقد أكون جيدة في مادة العلوم مثلا لكنني لست جيدة في اللغات…
لماذا ستفرض علي أن أدرس المادة بلغة غير اللغة التي أفكر بها؟
تعلم اللغات شيء جميل والإلمام بها كذلك، لكن دراستها كلغة أمر مختلف عن دراستها مجبرا كلغة التواصل الوحيدة التي تخول لك متابعة تعليمك
هذا ويزداد عائق آخر كون اللغة الفرنسية تأتي في المرتبة الرابعة بعد الدارجة والأمازيغية التي تعتبر اللغات التي نفكر بها.. ثم العربية اللغة الرسمية للبلد والأقرب للدارجة..

مقالات مرتبطة

فأي منطق هذا الذي يقتضي بأن أدرس بلغتي الرابعة؟؟؟ أتتخيل أن يحدث هذا في بلد آخر غير المغرب؟
هذا وسيضطر الذين يكملون دراستهم بتعلم اللغة الإنجليزية فيما بعد.. فالفرنسية كما يعلم الجميع ليست لغة للعلوم حاليا..

إذن فنحن في بلد يتحدث في الأصل الدارجة والعربية والأمازيغية، قد نجد فيه مسؤولين ووزراء أو أطباء مثلا لا يستطيعون أن يتواصلوا مع مرضاهم، قد لا يعرفون أسماء الأمراض بالعربية، ولا أعضاء الجسم بالدارجة، قد تأتيهم امرأة عجوز أمازيغية ولا يعرفون مم تشكي؟!

أمام هذه اللخبطة اللغوية، أليس من الأفضل العمل على تعزيز لغاتنا -بالموازاة مع دراسة اللغات الحية- عوض الرجوع خطوة إلى الوراء واللجوء إلى الفرنسية للتدريس التي لن تزيد من الأمور إلا تعقيدا؟
والحقيقة أننا كلنا مسؤولون عن هذا الوضع، فلو أردنا بحق أن ننهض بلغتنا يجب أن نكتب بها، ونقدم منتوجا علميا بها..
وهذا يستدعي تدخل كافة شرائح المجتمع من مسؤولين عن التعليم، الذين كان عليهم بالأحرى أن يدرجوا العربية في الجامعات بقدر المستطاع حتى لا تنقطع صلتنا باللغة لدرجة أننا قد لا نفهم تخصصنا إن عرض علينا بالعربية!
و خريجي الجامعات ودكاترتها الذين يجب أن يساهموا بأوراق علمية بالعربية.. أو على الأقل ترجمة ماكتبوه إليها..
وإلا فالعربية ستبقى دائما فقيرة لأن أصحابها حتى وإن تقدموا علميا فهم يفعلون ذلك بلغات أجنبية..
وسنبقى دائما مضطرين لتعلم لغة بعد أخرى حتى نأخذ من منابع العل…
وهو شيء جميل للذين يستطيعون تعلم اللغات ويجعل منا نحن المغاربة أشبه بعباقرة في عيون الأجانب لإتقاننا عدة لغات،
لكنه في نفس الوقت أمر مجحف وعائق للكثيرين الذين يواجهون مشاكل في اللغات..
والأصل في العلم بصفة عامة أن يكون سهل المنال وفي متناول الجميع بغض النظر عن نوعية العوائق أو أصل المشكل..

وكما افتتحت مقالي بمثال الباسك، أختمه بمثال آخر من اسرائيل التي حولت لغة ميتة “العبرية” والتي لم تكن تستعمل إلا في الأمور الدينية.. إلى لغة حية متكلم بها ومكتوبة معتمدة في المدارس..
وهذا لم يمنع اسرائيل من أن تكون الثالثة عالميا في نسبة عدد الذين يحملون شهادة من التعليم العالي!

لكن لا مجال للمقارنة بين إسرائيل والمغرب، فاسرائيل احتلت دولة.. ونحن لم نستطع التخلي عن استعمار دولة حتى بعد أكثر من 60 سنة من استقلالنا منها !