قبل كولومبوس: كيف جلب الأفارقة الحضارة إلى أمريكا؟

295

في الاثنين الثاني من شهر أكتوبر من كل عام، تتوقف مكاتب الحكومة والشركات والبنوك الأمريكية كليا عن العمل لإحياء ذكرى يوم كولومبوس. يتم تلقين الأطفال في المدارس من كل أنحاء البلد بأن مُستكشفا إيطاليا بطلا قام باكتشاف أمريكا، كما تُقام العديد من الأحداث والعروض احتفالا بهذه المناسبة.
لقد بات من المعارف الشائعة الآن بين صفوف الأكاديميين أن كريستوفر كولومبوس لم يكتشف أمريكا، لأسباب أقلها، أنه من غير المعقول اكتشاف شعب وقارة كانت متواجدة في الأصل  بثقافتها المزدهرة.

 لا يسعنا إلا أن نتساءل كيف كان لكريستوفر كولومبوس أن يكتشف أمريكا  حين كان الناس يراقبونه يرسو على السواحل الأمريكية؟!

 خلافا للاعتقاد الشائع، فإن التاريخ الإفريقي الأمريكي لم يدشن بالعبودية في العالم الجديد. فهناك مجموعة هائلة من الأدلة الجديدة التي اكتُشفت حديثا، تُثبت أن الأفارقة أبحروا مرارا عبر المحيط الأطلسي إلى البلدان الأمريكية، آلاف السنوات قبل كولومبوس وحتى قبل ميلاد المسيح.

لقد سافرت الحضارات القديمة العظيمة في كل من مصر وغرب أفريقيا إلى الأمريكتين، مُساهمين بشكل كبير في وضع اللبنات الأولى للحضارة الأمريكية من خلال استيراد فن بناء الأهرامات والأنظمة السياسية والممارسات الدينية، بالإضافة إلى الرياضيات والكتابة والتقويم المتطور.

إن الدليل الأقوى على التواجد الإفريقي في أمريكا قبل كولومبوس ينبع من قلم كولومبوس نفسه.

ففي عام 1920، أوضح المؤرخ واللغوي الأمريكي الشهير، ليو وينر، من جامعة هارفارد، في كتابه: “أفريقيا واكتشاف أمريكا”، كيف أن كولومبوس دوَّن في يومياته أن السكان الأصليين لأمريكا أكدوا أن “الأشخاص ذوي البشرة السوداء قد قدموا من الجنوب الشرقي في القوارب، ليتاجروا في رماح ذات رؤوس ذهبية“.
كانت أولى الدلائل الموثقة لإبحار الأفارقة واستقرارهم في الأمريكتين، للمصريين السود بقيادة الملك رمسيس الثالث، خلال عهد السلالة الحاكمة التاسعة عشرة عام 1292 قبل الميلاد.

وكتب المؤرخ اليوناني هيرودوتوس عام 445 قبل الميلاد، عن المهارات الرائعة في الإبحار والملاحة لدى الفراعنة المصريين القدماء.

وهناك دليل ملموس آخر، فَطِن إليه الدكتور إمحوتب، وتجاهله إلى حد كبير علماء الآثار الأوروبيين، ويتضمن “القطع الأثرية المصرية التي عُثر عليها في جميع أنحاء أمريكا الشمالية من كتابات ألجونكوين على الساحل الشرقي، إلى القطع الأثرية وأسماء الأماكن المصرية في جراند كانيون.”
في عام 1311 ميلادي، قاد الملك أبو بكار الثاني، حاكم إمبراطورية مالي في القرن الرابع عشر، والتي كانت أكبر من الإمبراطورية الرومانية المقدسة، موجة كبيرة أخرى من التنقيب الأفريقي للعالم الجديد. أرسل الملك حينها  200 سفينة من الرجال، و200 سفينة مُحمّلة بالمواد التجارية والمحاصيل والحيوانات والأقمشة، وأهم شيء المعارف الإفريقية في علم الفلك والدين والفنون.

قد يبدو أمرا غير محتمل أو ربما من المستبعد جدا للبعض، أن يكون المستكشفون الأفارقة قد عبروا مياه المحيط الأطلسي الشاسعة في قوارب بدائية. هذه الإنجازات البحرية المذهلة ليست مُهيبة كما تبدو، نظرا لكون العديد من المحاولات الحديثة الناجحة أثبتت أن القوارب الإفريقية القديمة، بما في ذلك “الزوارق الجذعية”، كانت قادرة  بالتأكيد على عبور المحيط الشاسع حتى بدون مجذاف، دفة أو شراع، وذلك خلال أسابيع.

بما أن الزمن يخول لنا الانجراف أكثر فأكثر بعيدا عن “عصر الاستكشاف الأوروبي” متجاوزين عصر التحيز الفكري العنصري، بدأ المؤرخون في الإقرار بأن الأفارقة كانوا ملاحين ماهرين قبل الأوروبيين بفترة طويلة، بخلاف الاعتقاد السائد
يستمر بعض المؤرخين الغربيين، بكل تأكيد، في تكذيب هذه الحقيقة لأنهم، عن وعي أو عن غير وعي، ما زالوا متشبثين بمفهوم القرن التاسع عشر المتمثل في أن الملاحة البحرية كانت حكرا أوروبيا.
في نهاية المطاف، سيخبرك التاريخ بأن الملاحة البحرية تعد جوهر الإنجازات الأوروبية الأسمى، وأنها المسعى الوحيد الذي يفخر به الأوروبيون حتى النخاع. لقد خول الإبحار لأوروبا غزو العالم. لذا فالنظرية القائلة بأن الأفارقة السود قد جابهوا أمواج المحيط الأطلسي المزمجرة وتَصدّروا الأوروبيين للعالم الجديد، تهدد شعورا تاريخياً خالصاً بالملكية على البحار.

عندما يفكر معظم الناس في المكسيك القديمة، فإن أولى الحضارات التي تتبادر إلى الذهن هي الأنكا والأزتيك والمايا. ومع ذلك، كشف علماء الآثار في أوائل عام 1940 عن حضارة معروفة باسم “أولمِك” تعود إلى 1200 سنة قبل الميلاد، والتي سبقت أي حضارة متقدمة أخرى في الأمريكتين.
كانت حضارة أولمِك، وهي من أصل إفريقي ويهيمن عليها الأفارقة، أول حضارة معتبرة في أمريكا الوسطى والثقافة الأم في المكسيك. ربما اشتَهر الأولمِك على الأخص برؤوس ضخمة منحوتة وُجدت في وسط المكسيك، والتي تعرض هيآت زنجية إفريقية لا تخطئ عين الناظر في تمييزها.

أوضح مؤرخ إفريقي سابق يدعى البروفيسور ڤان سيرتيما، أن أولمِك كانت أول حضارة من أمريكا الوسطى تستخدم لغة مكتوبة وعلم الفلك والفنون والرياضيات المتطورة، وبنوا المدن الأولى في المكسيك، والتي أثرت جميعها بشكل كبير على حضارة المايا والحضارات اللاحقة في الأمريكتين.

“ليس هناك أدنى شك في أن جميع الحضارات اللاحقة (في المكسيك وأمريكا الوسطى) ترتكز في نهاية المطاف على قاعدة أولمِك”، حسب ما صرح به مايكل كو، المؤرخ البارز في المكسيك.
من الواضح أن الأفارقة لعبوا دورًا معقّدا في صعود إمبراطورية أولميك وأن النفوذ الإفريقي بلغ ذِروته خلال نفس الفترة التي ازدهرت فيها الثقافة المصرية القديمة في إفريقيا.
إن هناك إثباتا واضحا على السبق الإفريقي للسفر عبر المحيط الأطلسي قبل كولومبوس، ألا وهو الاكتشافات الأثرية الأخيرة لمخدرات من أصل أمريكي في المومياءات المصرية القديمة، والتي أذهلت المؤرخين المعاصرين.

لقد أبلغت عالمة السموم الألمانية، سڤيتلا بالابانوڤا، عن اكتشافات للكوكايين والنيكوتين في المومياءات المصرية القديمة، ومن المعروف أن هذه المواد تُشتق فقط من النباتات الأمريكية.

يستخلص الكوكايين الأمريكي الجنوبي من نبتة الإريثروكسيلون والنيكوتين من تبغ نيكوتيانا. ما كان لهذه المركبات قط أن تتغلغل إلى الثقافة المصرية القديمة إلا عن طريق التجارة مع الأميركيين.
تشير التشابهات بين أوائل الديانات الأمريكية والإفريقية أيضًا إلى تلاقح مهم بين الثقافات. لقد كان المايا والأزتيك والأنكا كلهم يعبدون آلهة سُوداً، والصور الناجية لهذه الأخيرة خير دليل على ذلك. فهي تُظهر على سبيل المثال، رسومات قديمة للكيتزالكوتل، إله الثعبان المسيح، وإيك أَهوا، إله الحرب، الذين هم بلا شك زنوج ذوي بشرة داكنة وشعر مجعد منكوش.

لم قد يعظم الأمريكيون الأصليون صوراً لا شك أنها أفريقية، إن لم يكونوا قد رأوها من قبل؟ كما أن العديد من اللوحات الجدارية في الكهوف في جيكستلاهواكا تُجسِّد “فتح الفم” المصري القديم الشهير وطقوس إراقة الخمر المسيحية.

كل أوجه التشابه الدينية هذه تتكرر مرات عديدة مما يجعلها أكبر بكثير من أن تكون مجرد مصادفات.
لاحظ البروفيسور إيفريت بوردرز، مؤشرا آخر بالغ الأهمية عن الوجود الأفريقي ، وهو طبيعة الأهرامات الأمريكية البدائية.

إن إنشاء الأهرامات تخصص دقيق للغاية. لقد انتقلت مصر القديمة في خطاها من هرم دجوسير الأصلي، إلى المنتج النهائي الأكثر تطوراً في الجيزة. ومع ذلك في، لاڤِنتا، في المكسيك، صَنع الأولمِك هرمًا كاملاً دون أي علامات للتعلم التدريجي. لقد وُضعت أهرامات المصريين والأولمِك على نفس المحور المار من الشمال إلى الجنوب وكانت لهما طرق بناء مُماثلة بشكل لافت. في الحقيقة، كل هذه الأهرامات خَدمت نفس الغرض المزدوج، فهي قبر ومعبد.

لا تشكل هذه التشابهات القديمة في علم النبات والدين وبناء الأهرام سوى قطرة ماء من سيل التأثير الأفريقي في أمريكا القديمة. وتشمل المؤشرات الأخرى علم الفلك والفن وأنظمة الكتابة وعلم الأحياء والنبات الأفريقي.
تاريخيا، لقد كان أبناء الشعب الأفريقي مستكشفين وموردين استثنائيين للثقافة حول العالم. فخلال كل هذه الرحلات، لم يكن للمستكشفين الأفارقة تاريخا في بدء الحروب المدمرة على الشعوب الذين التقوهم.

إن أكبر تهديد لأفريقيا ذات مستقبل مجيد، هو جهل شعبها بماضي أفريقيا المجيد.
لقد أُسِّسَت حضارة ما قبل كولومبوس في الأمريكتين من قِبل الأفارقة وتم تطويرها على يد الأمريكيين الأصليين.

للأسف، تَأسست أمريكا في حقبة ما بعد كولومبوس، على الإبادة الجماعية للسكان المحليين، التي بنيت على ظهور العبيد الأفارقة وواصلت العمل على استغلال العمال في الداخل والخارج.

إنه لمن الجَلِيّ، أن الأفارقة ساهموا في تَحضُّر أمريكا قبل أن “يكتشفها” الأوروبيون بفترة طويلة، وقبل حتى أن يدَّعي الأوروبيون أنهم من أدخلوا الحضارة إلى أفريقيا.

إن مجموعة الأدلة المتزايدة الآن أصبحت ببساطة صارخة لحد يستحيل معه تجاهلها.

لقد آن الأوان ليعكف صناع السياسة التعليمية على إعادة النظر في مناهجهم المدرسية، لتعديلها حسب تاريخ أمريكا الطويل قبل كولومبوس.

 

Before Columbus: How Africans Brought Civilization to America. Global Research, 2014

ترجمة : زينب خرطوم

مراجعة : أميمة سليم

تدقيق لغوي : فدوى الأوسي