الإدراك خارج الحس

272

هل نحن نتاج جيناتنا الوراثية أم أننا نتاج تنشئتنا وتربيتنا في سنوات حياتنا الأولى وبيئتنا الخارجية؟ وهل يجوز لنا أن نُلقي اللوم على الأولى أو الثانية لكثير من سلوكياتنا الخاطئة وطباعنا السيئة؟

إن علم البيولوجيا الحديث يكشف لنا عن حقائق مذهلة ويصحح لنا الكثير من المفاهيم الخاطئة.

فهل نحن أسرى جيناتنا؟

يحتوي جسم الإنسان على أكثر من خمسة تريليونات خلية، وكل خلية قادرة على القيام بجميع الوظائف التي يقوم بها أعضاء الجسم، والدليل على ذلك النجاح في استنساخ كائن متكامل كالنعجة “دوللي” من خلية واحدة، لذلك فإن كل خلية منفردة تشكل كائنا حيا يستطيع الحياة بمفرده، وكل خلية لها وعي وإدراك كنا نظن سابقا أن مخ الخلية هو نواتها، ولكن العلم الحديث يثبت لنا عدم صحة ذلك.

فعندما تحرم خلية من نواتها معمليا فإن جميع وظائفها الحيوية تستمر لمدة شهرين بدون نواة، وقد اثبت العلم أن دور النواة تناسلي فقط وأن مخ الخلية هو غشاؤها الذي يحيط بها ليحمي ويحفظ مكوناتها، إنه الغشاء المعجز الأعجوبة، هذا الغشاء الذي زوده الخالق سبحانه وتعالى بمستقبلات كقرون استشعار لتدرك ما حولها داخل الخلية وخارجها، كما زودها الخالق سبحانه بمستجيبات تتلقى التعليمات وتفتح بواباتها أو تغلقها لتسمح أو تمنع مرور المواد إلى داخل الخلية وخارجها في تنسيق دقيق وتناغم بديع.

ويمكن تشبيه عمل غشاء الخلية بطريقة عمل رقائق الكمبيوتر حيث تتم برمجتها من الخارج على يد الإنسان، تماما كما في غشاء الخلية الذي تتم برمجته من الخارج، فسبحان الخالق الذي هدى الإنسان إلى أن يستخدم تقنية  مشابهة كتلك التي أودعها في غشاء الخلية.

وهنا نرى حكمة أن جعل الخالق سبحانه عقل الخلية في غشائها الخارجي لا في نواتها ليتم برمجة وإعادة برمجة كل خلية بناء على المعطيات البيئية المحيطة، بل وحتى الحالات النفسية والروحية ليتحرر الإنسان من أصل جيناته الوراثية التي لا حول له ولا قوة في توارثها واكتسابها فيصبح سيد مصيره لا أسير جيناته.

ولتوضيح وإثبات سيادة المؤثر البيئي فقد أُجريت دراسات على التوائم المتماثلة وهي التي تحمل نفس الصفات والعوامل الوراثية نتيجة تكونها من بويضة واحدة ثم إخصابها بحيوان منوي واحد، أي بمعنى آخر أن صفاتها الوراثية متطابقة مئة بالمئة، وتم فصل التوأمين عن بعضهما لسنوات طويلة في بيئات مختلفة تماما، ثم تمت مقارنة التغيُّرات، فقد خلصت الدراسات إلى أنه بالرغم من تطابق الصفات إلا أن البيئة والتنشئة جعلت التوأمين مختلفين في صفاتهما الجسدية والعقلية والانفعالية، ومنها الدراسة المعروفة عن التوأمين “ماربل” و”ميري” الذين رُبّيا في بيئتين مختلفتين تماما، وقورن بينهما بعد 29 عاما.

إن أسرع وأكبر مرحلة نمو الدماغ في الإنسان تتكون في سنوات حياته الأولى، وهو فيها أكثر قابلية للبرمجة، ولذلك ففي هذه السنوات الأولى يتم بناء الكم المعرفي الهائل وتأسيس المعتقدات، وينتقل كل هذا إلى عقل اللاوعي ليكون المرجعية الأخلاقية والسلوكية لهذا الإنسان، ولذلك يطلق على الوالدين أنهما المهندسان الوراثيان لأطفالهما لأهمية دورهما في تربية الأطفال، وهذا ما يؤكده الدكتور “دانيال سيغل” وهو أحد أشهر علماء المخ وعلم النفس في كتابه (تطور العقل).

وسؤالنا هنا بعد أن تحررنا من أسْر جيناتنا هو: هل يصبح الإنسان طوال حياته أسير عقله اللاواعي وما تراكم فيه من سلبيات على مدار السنين؟ هل نصبح طوال حياتنا أسرى لماضينا لسنوات طفولتنا الأولى؟

يؤكد علم البيولوجيا الحديث أن لكل خلية وعيا وذكاءً، والخلايا تتواصل مع بعضها كأنها تتحدث كمجتمع متكامل، وبالرغم من قدرة كل خلية على تفسير المعلومات على حدة إلا أنها كمجتمع واحد تخضع للعقل وللجهاز العصبي ليفسر لها كيف يجب أن تتعامل مع المعطيات والمعلومات، وبذلك فاعتمادا على تفسير العقل يكون رد فعل خلايا الجسم، أي بمعنى آخر فإن طريقة قراءة العقل للأحداث والمعطيات والمعلومات وما يعتقده وما يؤمن به تحدد تصرف كل خلايا الجسم.

وهذا ما يؤكده الدكتور BRUCE LIPTON من جامعة ستافورد ومؤلف كتاب (بيولوجيا الإيمان) ومؤسس علم البيولوجيا الحديث.

هنا نفهم دور العلاج الإيحائي المثبت علميا وعمليا وتأثير “البلاسيبو” أو ما يسمى بتأثير الإيمان بالشيء  على الحالة الصحية للإنسان، فإيمان الإنسان واعتقاده أن الذي بين يديه دواء فعال يؤثر حتما في فعالية الدواء، وهذا ما يثبته العلم، حيث يقرر أن التأثير يصل الى نسبة 80% بشرط اعتقاد المريض أن هذا الدواء سيعالج هذا المرض، وأن يتناول الدواء بانتظام، وفي المقابل فإن المعتقدات السلبية تؤثر سلبا على صحة الإنسان، بل وتُفقد الدواء فعاليته حتى وإن ثبت علميا أن الدواء ذو فعالية عالية، كذلك فإن إيمان المريض واعتقاده أنه سيشفى سيؤثر فعلا في قدرة جسمه على المقاومة والتماثل للشفاء، وهنا نفهم الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده يوما، فقال له : ” لا بأس عليك طهور إن شاء الله “، قال الأعرابي : ” طهور كلا، بل بي حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور “، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” فنعم إذن “. وينطبق هذا على كل فصول الحياة، لذلك يقول البروفسور”WAYNE DYER وين داير” : “عندما نغير الطريقة التي ننظر بها للأشياء، فإن الأشياء التي ننظر إليها حتما ستتغير”.

إن للإرادة والعقل الواعي قدرة عجيبة على التحكم في العقل اللاواعي وإعادة برمجته، ولنا  أن نستشهد بتجربة الدكتور “هربرد بنسن” رئيس العقل والجسد في هارفارد،عندما ذهب الى أعالي جبال الهمالايا حيث رأى مجموعة من المتعبدين يمارسون التأمل في هدوء عميق وهم يرتدون ملابس خفيفة والثلج يحيط بهم من كل جانب، وبدل أن تنخفض درجة حرارة أجسامهم ويتجمدوا ويفقدوا الوعي في دقائق، فإنهم كانوا يتصببون عرقا، كأن أجسادهم تحولت إلى  ما يشبه الفرن، كيف حدث ذلك؟ إنه تحكم العقل اللاواعي في معدل الأيض وهو معدل الاحتراق الداخلي اللاإرادي في أجسامهم عن طريق قوة تحكمهم في أفكارهم.

تَلَت هذه التجربة أبحاث علمية عديدة كلها تؤكد دور العقل الواعي في التأثير والتحكم على النشاطات البيولوجية اللاإرادية في الإنسان، وكذا على المشاعر والأحاسيس المبرمجة في العقل اللاواعي.

ومنها الدراسات التي أجرتها SARAH LAZAR إحدى عالمات الأعصاب على أشخاص عاديين يقومون بالتأمل مدة عشرين دقيقة يوميا، ووجدت أن التأمل والسمو الروحي يؤدي إلى زيادة نشاطات القشرة المخية المسؤولة عن الانتباه، وكذا زيادة نشاط منطقة “الايبوسلاماس” المسؤولة عن الافعال اللاإرادية.

هنا أدرك وجها من حكمة فرض الصلاة خمس مرات في اليوم والتي إن أداها المسلم حق أدائها جعلت عقله الواعي السيد المتحكم واستطاع بها أن يخترق العقل اللاواعي ليعيد برمجته من جديد.

يبين لنا العلم الحديث أن هناك طرقا علمية لإعادة برمجة العقل اللاواعي منها ما يعرف بالمناهج المعرفية السلوكية فكيف الأمر؟

إن كل ما يمر بك من أحداث تثير في عقولنا أفكارا لاإرادية وهي بدورها تثير مشاعرا لاإرادية وحلقة الوصل بين الحدث والأفكار هي معتقداتنا، وهنا يكمن مفتاح التغيير وطريقة العلاج.

فبتغيير المعتقد الخاطئ يتبدل ما يثير الحدث من أفكار سلبية لا إرادية إلى أفكار إيجابية.

ومن الطرق الأخرى ما يسمى بالبرمجة اللغوية العصبية وطُرحت في مطلع التسعينيات كمجموعة نماذج ومبادئ لتمثيل برمجة العقل وتفكيك المعتقدات القديمة المعيقة لتطور الفرد.

حقا إن معتقداتك تشكل أفكارك، وأفكارك توجه مشاعرك وهما يصنعان أفعالا وبالتكرار تشكل طباعا، ودماغك يشكل قيمك وحياتك وبهما يتحدد مصيرك.

وهنا أفهم مغزى الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرا فلها وإن ظن شرا فلها).

لقد أطلق الله حرية الإرادة للإنسان ولم يدعه أسيرا لجيناته الوراثية ولا ضحية تربيته وتنشئته الأولية، بل وجعله سبحانه قادرا على أن يتحكم ببعض وظائفه الفيسيولوجية اللاإرادية، وبذلك تتحقق العدالة الربانية ويختار كل إنسان أين يريد أن ينتهي في حياته الأبدية.

هل يريد حياة مليئة بالثقة والإيمان والإنجاز؟ أم يريد حياة مليئة بالشك والضعف والإحباط؟

لذلك يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ناصحا لنا : “احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز”.

حقا إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم…

عن سلسلة “ومحياي” للدكتور وليد فتيحي.

تفريغ : فاطمة السديدي

تدقيق لغوي: عبد المنعم فقيه بن شعيب