إذا أردت البركة فعجّل بالحركة

342
أظن أن هناك روتين يومي -إذا أصح التعبير- عبارة عن مقطوعة من سمفونية التغيير التي ألفنا سماعها كل يوم من أناس كثر يحيطون بنا من قبيل: “أنا أريد أن أتغير” أو “أنا فعلا مللت من حياتي” أو “أنا أريد أن أصبح ناجحا” وقس على ذلك جملا أخرى بإيقاعات مختلفة.
لكن ليس غريبا أن الإنسان يريد أن يغير حياته إلى الأفضل، وأن يتبوأ مراتب عليا يخرج بها من مستنقع الجهل والضغينة، بل الغريب في الأمر أنهم لا يبدلون ولو القليل من الجهد ليغيروا أوضاعهم فتجدهم على نفس السيناريو والجمل نفسها كل يوم، دون أن يحركوا ساكنا مستمرين فى حياة البؤس التي اعتادوا عليها.

وإذا أردنا السؤال والبحث عن سبب استمرار الأغلبية على نفس الطريق وبنفس النهج دون تغيير يذكر، نجد أجوبة من قبيل: لقد فعلت كل ما بوسعي، لكن من كثرة العثرات والفشل فقدت ثقتي بنفسي ولم أعد أرى أي جدوى في تكرار المحاولة.
وهنا يظهر أن هناك مشكل على مستوى المفاهيم، خاصة فيما يخص جانب تقدير الذات ومعرفة قدراتها؛ حيث أصبح مفهوم الثقة بالنفس منحصرا بين النجاح والفشل، أي أن كل إنسان وصل إلى مراحل متقدمة من النجاح فهو تلقائيا يمتلك تلك الثقة بالنفس العظيمة والعكس بالعكس.
مقالات مرتبطة
في هذا الصدد، يقول د. أحمد خالد توفيق رحمه الله:
“الثقة بالنفس كلام فارغ، سوف يدهشك كم الأشياء التي لا تعرفها أو لا تجيدها، المهم أن تثق بقدرتك على أن تكون أفضل.”
لذلك الأصح هنا هو أن نستخدم مصطلح (تقدير الذات) أو (الوعي بالذات)، والمطلوب لاستكمال الصورة هو أن نبتعد قليلا عن زحمة الحياة وصخبها ونتأمل في ذواتنا، ونفهم أن من طبيعتنا الإنسانية (النقصان والتقصير) وليس هناك شيء لنخجل منه أبدًا، وأن الركض وراء سراب حالة الكمال لهو شيء من المحال.
فأول ما يجب أن تعيه أنفسنا أننا مطالبون بالركض وراء الإتقان لا الكمال حتى نحدث التغيير الإيجابي.
وأظن كذلك أن هناك خلط في الفهم فيما يخص “واجب الإتقان” و “وهم الكمال”، فالإتقان بمعناه الصحيح هو أن تفهم نفسك جيدا أولا وقبل كل شيء، وأن تكون على وعي تام بما تملك من إمكانات وقدرات، ثم تنتهز كل فرصة تتاح لك لتبذل فيها أفضل ما عندك في حدود ما عندك، حتى إذا أتيحت لك فرص مستقبلية ستتمكن من استثمار خبراتك السابقة وتتجنب الوقوع في نفس الأخطاء. لكن هذا لا يعنى أبدًا أن تُكلف نفسك فوق طاقتها وتُحملها ما لا تحتمل، فتضيع فرص كثيرة وتنهج سياسة التأجيل لأجل غير مسمى، حتى تتمكن من الوصول إلى حالة الكمال (أي المرحلة التي لا مكان فيها لأي خطأ أو تقصير).

ويجب أن تفهم جيدا أن وجود الخطأ أو التقصير في الشيء الذي تقوم بيه لا ينافي ولا يتعارض مع الإتقان ولكنه ينافي الكمال، وهنا الجوهر الحقيقي والفرق بين المتقن وبين الذي يقع في فخ الكمال. إن الإتقان لا يعني الأفضل على الإطلاق، لكن يعنى الأفضل (بالنسبة لك).

ثمن التغيير صعب جدا، بلغة أوضح: إذا أردت البركة فعليك أن تعجل بالحركة، حاول أن تجد شيئا بداخلك كاف للدفع بك إلى الأمام مهما استعصت عليك الظروف، شيئا يجعل من كل العقبات مجرد سلم تستخدمه لصعود القمة، وبالطبع يجب أن تكون على دراية تامة بأن وصولك إلى القمة لن يكون بتلك السهولة التى يتصورها معظم من ينسجون أحلامهم على ورق التمنى بالليل، ولكن مع حلول الصباح لا يكلفون أنفسهم عناء مغادرة الفراش نحو العمل على تحقيقيها.
إن الوصول إلى القمة ليس ضربا من ضروب الخيال، فإذا كنت ممن لهم الرغبة الجامحة للوصول والذخيرة الكافية لخوض غمار الصعود، فقد ملكت مفاتيح الصبر وإذا عزمت على التغيير وعملت على إحداثه بخطوات يومية ثابتة ومستمرة فسيكون لك المراد بدون شك مهما عنفتك الحياة، لكن إذا فضلت عدم استبدال السمفونية التي ألفها عقلك كل يوم فستظل حيث أنت ولو بعد 60 عاما.