جولة في متحف اللوفر

1٬109

لطالما ظلّت المتاحف هي الذاكرة الحية للشعوب، والحافظة الأساس التي بواسطتها يتم حفظ التراث الإنساني وحمايته من التعرض لآفات الزمان وتقادم العهد، فضلا عن كونها تحولت في القرون الأخيرة إلى مراكز علمية أيضا، تُنجز فيها البحوث والدراسات عن الإنسان وماضيه. إنها تلخص مسيرة الإنسان على هذا الكوكب، وتُعيننا على فهم أعمق لذواتنا، وتعمّق شعورنا بالانتماء والاستمرار في حمل المشعل ضمن مسيرة حفظ النوع وتحقيق الاستخلاف والعمارة. وما من شك أن زيارة المتاحف والإسهام في ترسيخ الوعي بأهميتها، والتردد إليها من حينٍ إلى آخر هو من صميم مسؤولية النخبة والمؤسسات التربوية والآباء والأمهات. وفي هذا المقال، سأبْسُط لك عزيزي القارئ بعض التأملات التي كتبتُها حول زيارةٍ قمت بها في الأيام الأخيرة لمتحف اللوفر بفرنسا.

لأعترفْ بدايةً، والاعتراف دوما فضيلة، لم تكن زيارتي لهذا المتحف مقصودة أصالة؛ لأن الغاية من هذا السفر كانت هي المشاركة في المؤتمر الثامن والأربعين العالمي للجراحة، وهو، بالمناسبة، أول مؤتمر عالمي سأحضره، ينظم كل سنتين. وهذه الدورة تستقبلها مدينة كاراكوف وهي ثاني أكبر مدينة في بولونيا. كان من الضروري أن أمر عبر الجمهورية الفرنسية؛ لأن التأشيرة التي حصلتُ عليها كانت هي تأشيرة فرنسا، فكان من الضروري المرور عبر باريس لختم التأشيرة هناك، قبل المرور إلى بولونيا. ومن طبعي أنني لا أحب البقاء ولا السفر إلى فرنسا لمدة تزيد عما هو ضروري، لأسباب ذاتية وتاريخية موضوعية.
فمن جهة، أجد هذا البلد غير ملهم لي، غير منفتح بالطريقة التي أحب، أضف إلى ذلك العلاقة الاستعمارية التي تربطنا به. فمهما كانت علاقتنا اليوم بالجمهورية الفرنسية، تبقى بلداً مستعمِرا لنا في الماضي، ويصعب القفز على هذه الحقيقة التاريخية، أو تجاهل الشعور بالريبة الدائمة الذي ينتُج عنها. صحيح أن علاقتنا بفرنسا ما بعد الاستقلال كانت مفيدة للمغاربة؛ كان الناس يسافرون إليها بقصد إتمام دراستهم العليا، فكان ذلك يفيدهم، أولا في الحصول على تكوينات جيدة في مجالات مختلفة، وثانيا في الحصول على وظائف سامية بعد الرجوع إلى المغرب. يكفي أن نستحضر هنا أن اثنين من كبار مفكري المغرب اليوم، وهما على التوالي عبد الله العروي وطه عبد الرحمن تخرجا معا من جامعة السوربون.

نعم، كانت هذه العلاقة مفيدة لنا نحن المغاربة، لكنها، اليوم، مع هذا التطور الهائل الذي عرفته الكثير من دول العالم، وفي ظل العولمة، أصبحت غير مجدية، بل صارت سلبية؛ إذ الكثير من هذه الدول أصبحت أكثر انفتاحا من فرنسا، ولم يعد الشباب الذين يتخرجون من فرنسا يحصلون على الوظائف السامية بتلك السهولة التي كانت فيما مضى. لم تعد فرنسا هي منبع العلم الوحيد بالنسبة للمغاربة، أصبح بالإمكان اليوم السفر إلى دول أخرى كثيرة من غير فرنسا، وهي كلها دول تعرف تقدما علميا كبيرا لا يقل عن فرنسا، إذا لم يزد عليها، فضلا عن المناخ الاجتماعي المنفتح والإيجابي الذي تتميز به هذه الدول.
وإذن فقد ذهبتُ إلى فرنسا، وبالضبط إلى مدينة باريس، وآية ذلك أن لي صديقا هناك، يعمل في إعادة هيكلة بعض الفنادق، فكانت مناسبة للذهاب إلى باريس والحصول على الإقامة والمبيت مجانا لليلتين، وبذلك أقلل من مصارفي ولو قليلا، بالإضافة إلى رؤية صديقي الذي لم أره منذ زمن طويل. كما أنني أحاول إعطاء نفسي فرصة أخرى للتعرف على هذا البلد أكثر، فقد أكون تسرّعتُ في الحكم عليه. لأجل ذلك قمتُ بجرد أهم الأماكن التي تستحق الزيارة في نظري، بالاعتماد على استشارة بعض الأشخاص في تحديد هذه الأماكن. كانت المدة التي سأمكثها هناك ثمانية وأربعين ساعة فقط، ومع ذلك طمِعتُ في أن أزور أكثر من موقع، وكان في رأس هذه الأماكن متحف اللوفر ومتحف أورساي ومتحف تاريخ الطب، وبعض الأماكن الأخرى في باريس نصحني الناس بزيارتها.

مقالات مرتبطة

كانت البداية بمتحف اللوفر، وكانت الخطة أن أزور غيره، بحسب ما قررته في الخطة، مباشرة بعد الانتهاء منه، غير أنني ظللت يوما كاملا في متحف اللوفر، الكم الهائل من الآثار التاريخية واللوحات الفنية لم يترك لي فرصة المغادرة إلا بعد قضاء اليوم كله. كانت أجنحة المتحف كثيرة، منها جناح كبير جدا مخصص للفن الإسلامي، وجناح كبير جدا مخصص لتاريخ مصر القديم، كان يوما رائعا، أو بالأحرى كان سفرا جميلا عبر الزمن استمر يوما كاملا.
ومن فوائد السفر أنك حين تسافر تشعر أنك حلقة صغيرة جدا في هذا الكون، كون هائل متسلسل. وأنا في المتحف أتأمل اللوحات الفنية الجميلة، أدركتُ كيف أن الإنسان في الماضي كان ينتج الكثير من العلوم والفنون، وكانت إنتاجاته الفنية “فردانية” تعبر عن فرادته وخصوصياته الذاتية، وكان يمكنه أن يبقى لمدة طويلة جدا وهو ينتج لوحة فنية أو تمثالا أو أي منتج فني آخر. ثم تساءلت: هل يمكن أن تبقى هذه اللوحات الفنية في المستبقل، بعد مرور هذه الألفية على سبيل المثال. ماذا سنترك نحن للأجيال القادمة بعدنا؟ ما هو الميراث الفني الذي سنخلفه لمن يأتي بعدنا؟ هل هناك فنانون عباقرة كبار يمكن أن يحفظوا ماء وجه هذا الجيل؟ لم أستطع أن أستحضر أية أسماء، لعلها غير موجودة، وإن كان عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود.
ولعل من الأسباب التي قضت أو قلّصت من قدرة الإنسان على الإبداع، هو هذا الزخم الإعلامي الذي يميز هذا العصر، أصبح بالإمكان الاطلاع على أعمال الآخرين بسرعة، وأعمال الماضين، فشجع ذلك كله على الميل إلى التقليد ومحاكاة الآخرين؛ أصبح العالم قرية صغيرة، يعيش الناس فيها، تقريبا، نمط عيش واحد، ويفكرون بطريقة متقاربة، ولهم أحلام ومخاوف متشابهة. والإنتاجات الفنية لهذه السبب ستكون متشابهة، وهي مع ذلك تكاد تكون منعدمة؛ لأن الناس انشغلت بالاستهلاك وبقضاء جزء كبير من وقتهم في العمل لتوفير المال الذي يتيح لهم اقتناء المنتجات الاستهلاكية ويعيشوا نمط العيش المعاصر، وخاصة حياة المشاهير والأغنياء.
كانت هذه الملاحظة نتيجة تأملاتي في رفوف المتحف، فقد كانت هناك رفوف لحضارات كثيرة، الإغريقية، والرومانية، والمصرية، والإسلامية وكثير من الحضارات الأخرى. ولكل حضارة منتجاتها الفنية المختلفة، وهي في داخل كل حضارة تختلف فيما بينهما، لا يبدو أن هناك محاكاة أو تقليدا، بل الفن فن أصيل مستقل يعبر عن شخصية الفنان الذي أنتجه.
من أسف، لم أطلع على رفوف المتحف كلها؛ لأن الوقت كان يداهمنا، خاصة وأنني كنت أبقى أمام لوحة فنية مدة طويلة، وأحاول أن أستكشف ما يريد الفنان قوله من خلال تلك اللوحة. وأنا أواصل رحلتي في استكشاف اللوحات الفنية، وجدت صفا طويلا في آخر طابق، فاضطررت إلى الانتظار مدة ساعة من الزمن لأرى اللوحة المشهورة، أشهر لوحة في متحف اللوفر، وهي لوحة الموناليزا، التي رسمها ليوناردو دافنتشي، وكنت متفاجئا جدا من حجم الصورة الصغير؛ لا أدري لم كنتُ أتوقع أن تكون كبيرة في الحجم، ولو قليلا عما هي عليه في الواقع؟ نعم، هي لوحة جميلة جدا، فيها الكثير من الألغاز والأسرار، وحتى شخصية دافنشي كذلك كانت، غريبة جدا.

وفي الواقع، لست أدري لمَ انتظرتُ طويلاً لرؤية تلك اللوحة؟ ولم كنتُ فرحا جدا برؤيتها؟ هل لأنني، منذ نعومة أظفاري، أسمع عنها، والآن حانت لحظة الوقوف أمامها حقيقة؟ أم لأن الفن في ذاته هو كذلك: باعث على الفرح والسرور؟ لا أدري، الذي أعلمه وأتيقن منه أنها لوحة جميلة جدا، تفنن دافنشي في رسمها، في النظرات، في تعابير الوجه، ابتسامة خفيفة جدا، وتخفي الكثير من الحزن، خليط من حزن وبهجة وضحك، وكل شخص يجد نفسه في بعض جزئياتها، ومن هنا أهميتها. وهي تذكرنا بجواب القاضي المصري لما سئل عن سبب شهرة المتنبي، شاعر العربية الأوحد، ولماذا أهمل ذكرَ الشعراء في عصره ومن بعده؟ فأجاب جوابه الشهير البديع: “لأنه كان ينطق عن خواطر الناس”. فكل شخص يجد نفسَه في شعره، في كل أحواله فرحا وغضبا ومرضا وصحةً وحبا وبغضا، وكذلك الموناليزا، كل متأمل فيها يجد قطعة منها تعبر عنه.
بلا شك، كان في المتحف لوحات فنية أجمل، ولكن الموناليزا أخذت الاهتمام الأكبر من الزوار، ربما الأمر يعود لشهرة اللوحة أكثر مما يعود حقا لجمالها المحض. فالذائقة الفنية للأفراد أيضا ليست مأمنا من التأثر بالدعاية الإعلامية، تجد ذلك في أسلوب اللباس والأغاني والأفلام المفضلة لدى الناس، والأمر كذلك في بقية الأمور التي في الأصل ينبغي أن تخضع لذوق كل شخص بعينه، بوصفه ذاتا مستقلة، لها ذائقتها وميولها الفنية المتميزة عن الغير. ولكنها العولمة، تُنمّط كل شيء، ولو كان أخصَّ خصوصيات الإنسان.