التواضع سمة النُّبل فأين نحن منه؟

200

إن القيم التي ورثناها عن آبائنا  أجدادنا أثبتت على مر العصور أنها الأساس في بناء المجتمعات الصالحة الراقية، ولعل أبرز هذه القيم: التواضع. تلك الفطرة البشرية الأصلية في الإنسان السليم المعافى من الأمراض النفسية التي تدفع إلى التكبر والاحتيال على الآخرين، ومما لا شك فيه أن للتواضع انعكاسات إيجابية على كل من الفرد والمجتمع. فكيف يظهر؟و كيف تبدو انعكاساته؟

التواضع هو تلك الصفة الأخلاقية الناتجة عن حسن تقدير الذات، واقتناع المرء بما يمتلك من مقومات عقلية، وجسدية، وفكريةٍ ومادية، فكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ما وجد أحد في نفسه كبرا إلا من مهانة يجدها في نفسه”. والمتواضع هو ذاك الإنسان الذي يعامل الناس كما يحب أن يُعامل، يحترمهم و يقدّرهم كبارًا وصغارًا، ويمد يد العون للمحتاج منهم، لا يفتخر بأصله ونسبه أمامهم، بل يثبت نفسه بعمله الخيِّر وتواضعه اللّامحدود. هذا على النّطاق الضيق، أما إذا كان الحال بين الرئيس ومرؤوسيه، فهنا يوضع التواضع على المحك، فالرئيس أو المدير المتواضع يلقي التحية على الموظّفين، ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ولا يقلل من احترامهم أيًّا كان السبب، وهو كذلك لا ينبههم لأخطائهم أمام زملائهم فيخذلهم ويشوه سمعتهم، وهذا بالطبع خير دليل على اتّساع إدراك هذا المتواضع وعلى وعيه، فكما قيل:

ملأى السنابل تنحني بتواضع *** والفارغات رؤوسهن شوامخ”

مقالات مرتبطة

و هذه القيمة العظيمة لا نجدها إلا عند أصحاب النفوس التي تحلق عالياً في سماء المثل العليا والفضائل، فالتواضع يولد عند المتواضع لذّةً لا تضاهيها لذة، فهذا المتواضع يعشق الحياة بنكهة الإنسانية مما يدفعه إلى المزيد من التواضع واستثمار هذه القيمة في بناء المجتمع وتحسين ظروفه، فتتوفر له نعمة الأمان الاجتماعيّ الّتي تنتج عنها راحةٌ نفسيةٌ عميقةٌ. ويقدر الناس عمله هذا، فيفتح قلوبهم بمفاتيح من ذهبٍ وماسٍ، ويبقى خالدًا في ذاكرتهم، فدروس الحياة طويلةً كانت أم قصيرة، تتطلب وعياً وحنكةً وسعة أفقٍ، فمن سلكها خلوقاً عاش بذكره، ومن قطعها جارحاً كحد السيف، يرحل من الحياة كماءٍ غار في الأرض ويُدفن معه ذكره، والخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه خير مثالٍ على ذلك، فهو عاش حياة متواضعةً كان فيها حاكمًا في قمّة التواضع مع إنجازاته، فهو ترك القصر وعاش في بيتٍ متواضعٍ وغير ذلك كثير مما جعله رجلًا يُخلَّد اسمه في التّاريخ! وهنا السؤال الّذي يطرح نفسه كم عمر بن عبد العزيز يعيش بيننا اليوم؟ وهل هناك حاكم متواضع؟… قلّةٌ قليلةٌ مع الأسف، فالناس العاديون باتوا يفتقرون لهذه القيمة، وذلك لإسهام تطور المدنية في المجتمعات، كما البحبوحة المادية، إلى ظهور نماذج عدةً ممن اتصفوا بالكبر، بحيث أصبحت صفةً لصيقةً بهم، لا تفارقهم، حتى في بسمة ثغورهم، فمثل هؤلاء يمشون في الأرض مرحًا، يسيرون بخيلاء الأمراء، ينظرون لكلّ من حولهم نظرةً دونيّةً، منطلقةً من اقتناعهم أنهم المتفردين في الجمال والوعي والثقافة. لا يأخذون برأي أحدٍ، ولا يستشيرون أحداً على اعتبار أنهم الأعمق إدراكًا لكلّ ما يجري من حولهم، وينتقدون كل تصرفات الآخرين دون تقديم حلٍّ لمشكلاتهم، بل لمجرّد إبداء رأيٍ مختلفٍ، وهنا الطّامّة الكبرى…

ولكن لكل داءٍ دواء، فمما لا شكّ فيه أنّ تأصيل فكرة التواضع يشجع المتواضعين على زيادة تواضعهم، ويشجع الآخرين على أن يحذوا حذوهم، ويولد فيهم رغبةً عارمة في التواضع، وخير مثالٍ على ذلك ما يحصل بين المعلم وتلامذته، فتعليم المعلم ليس عرضاً للمعلومات، أو حشوًا لدماغ التلميذ بها، إنّما هو إرشادٌ ونهجٌ متكاملٌ للحياة، فمتى كان هذا المعلّم متواضعًا يحسن تقدير ذاته، كان الطلبة مثله يمارسون هذه الفضيلة كأستاذهم لتصبح خلقًا أصيلًا يمارسونه على سجيتهم، لينير كلٌّ منهم الزّاوية التي هو فيها، فيعم النور أرجاء المجتمع، ويندحر الظلام تحت سطوة الضوء، و مثل ذلك في المجتمع الأكبر، فالرعية تتأثر بالحاكم والرئيس يؤثر في مرؤوسيه، مما يؤدي إلى ظهور مجتمعات راقية يغار منها النجوم، بيدها مفتاح الحضارة وعلى رأسها تاج التألق. فالتواضع يساعد هذه المجتمعات على إظهار مشكلاتها وعدم إخفائها كبراً، وبالتالي إيجاد الحلول الناجعة لمشكلاتها، مما يؤدي إلى نشوء مجتمعات سليمة خالية من العيوب، صالحة ومصلحة في آنٍ معًا.

إن التواضع هو تلك اللمسة السحرية التي تحول علقم الحياة إلى قطرات شهد تُجنى من زهور القيم، وحسن تقدير الذات. هو ذو أثر بالغ في إرساء قواعد هامة لتربية جيل صالح ومصلح في آنٍ معًا، فهو كالغيث يروي أرضاً، فينبت زهرًا ينثر عبقاً. هو أساسٌ لبناء المجتمعات وبقائها، فأين مُلك كسرى المتكبر اليوم؟! وما دمنا لا نستطيع تحقيق الغاية من وجودنا وأداء رسالتنا على ظهر الأرض بمنأى عن التواضع، فحاتم ننتظر؟