في البئر وحيدا

137

في البئر ألقوا بك يا يوسف، كان مظلما، وكنت وحيدا.. وكانوا إخوتك. في البئر ألقوا بك يا يوسف، لعلك توقعت أنها كانت مزحة، لعلك تصورت أن صمتهم خدعة، وأن حبالهم ستأتي بين لحظة وأخرى.. في البئر ألقوا بك يا يوسف، أصواتهم تلاشت، حبالهم لم تأت قط، لعلك توقعت يومها أن العالم قد انهار.

كثيرا ما نمُر بما يبدو أنه أكبر كارثة في حياتنا، كثيرا ما نشعر بخذلان الجميع، بأن الجميع قد تخلوا عنا، كثيرا ما نتصور أن هذا المنعطف الذي قمنا به قد قادنا إلى نهاية المطاف، إلى اللاعودة، وقد يأتي من يقول لنا مواسيا: “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”، فنقول: “لا لا لا، نعرف هذه الآية، ما مررنا به لن يقودنا إلى خير”؛ ثم يمر الوقت، فإذا ما بدا أنه أكبر كارثة في حياتنا كان أفضل ما حدث في حياتنا على الإطلاق، ما تصورنا أنه نهاية كان هو البداية الأفضل لنا.

كثيرا ما يحدث، كم من حبيب غدر وتصورنا بغدره أن الحياة انتهت، وأن لا أمان لبشر من بعده، فقادنا هذا الغدرإلى التعرف على أوفى حبيب؛ كم من مشروع فشل وتصورنا أنه نهاية الطريق، لكن الفشل قادنا إلى طريق آخر حققنا به نجاحات لم نتوقعها؛ كم من حلم أمومة أجهض عند أنثى، فقادها هذا الإجهاض إلى أن تحقق ذاتها، لا عبر طفل واحد بل عبر مجتمع؛ وكم من لاجئ ترك بلاده غريبا منكسرا، وقد خلّف وراءه كل جَنْيِ عمره، فوجد في بلاد الآخرين ما لم يجده في بلاده.

انظر حولك، في حياتك، في حياة من حولك، وستجد هذا كثيرا ما يحدث، وهذا ما حدث مع سيدنا يوسف، نعم كانت النبوة تقوده، ولكن قصص الأنبياء ليست “حواديث” نسمعها ونقول: “سبحان الله”، بل هي للمثل والعبرة، والعبرة في قصة سيدنا يوسف واضحة، إنها “الإيجابية”، أن تبقى مصمما على تحقيق أهدافك، من البئر الفارغ في الصحراء المجذبة، إلى أعلى منصب في أعظم حضارة في زمانه؛ مر يوسف بتجارب كثيرة، تعرض للسجن وللغواية، ولكنه بقي مصمما على الإيجابية.. على تحقيق الهدف.

من البئر إلى القصر، رحلة طويلة، أتعرفون؟ لو حذفنا البئر لما كان هناك قصر.

لكن، حذار من الخلط بين الإيجابية والسذاجة، ليس كل من يلقى في البئر يكن يوسف، وليس كل من يدخل السجن يكن يوسف؛ من الناس من يتلذذ بدورالضحية معتقدا أنه أقرب بذلك إلى دور يوسف، “الإيجابية” هي أن تدرك المصاعب الكامنة حولك، وأن تعتبرها تحديات تستفز طاقاتك ومواهبك، و”السذاجة” هي أن تنكر كل شيء: “لا مصاعب”، وعندما تتحول المصاعب إلى مصائب تعتبرها بشائر لنصر قريب، وأنك صرت بهذا أقرب إلى يوسف.

قصة سيدنا يوسف هي القصة الوحيدة من بين كل قصص الأنبياء التي عرضت مرة واحدة في سورة واحدة، كل قصص الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام أجمعين- تعرض على شكل متفرق في سور مختلفة، وأحيانا تكرر بعض المواقف من زوايا أخرى، لكن قصة سيدنا يوسف تعرض مرة واحدة من البداية إلى النهاية في سورة واحدة، هذا لا يمكن أن يكون صدفة، حاشا لله، لكن السورة تعرض لنا القصة من الألف إلى الياء، من البئر إلى القصر، كما لو كانت تحكي لنا قصة بطل، من طفولته إلى تحقيقه لبطولته، لماذا؟ لكي نرى الصورة الكاملة، صورة التحقيق، صورة الإنجاز؛ لو أنها عرضت مثل قصة سيدنا موسى مثلا، لما رأينا هذا بوضوح، لكنها تعرض لنا الصورة الكاملة كي نرى الرحلة من البئر إلى القصر.

بالمناسبة، سورة يوسف هي السورة الوحيدة في القرآن التي تبدأ بحلم، بمنام طفولي وتنتهي بتحقيق هذا الحلم؛ العبرة واضحة، تمسّك بأحلامك، لا تُقلل من سقفها، تمسّك بقوة الحلم في داخلك مهما حدث، قوة الحلم جزء من استمرارك في الحياة.

مقالات مرتبطة

عقلي وقلبي!

أزمة التثقيف

أرادوا أن يكسروك يا يوسف، أن يجعلوك تضعف، أن تتوسل، لو كانوا يعلمون.. لقد جعلوك أقوى، أصبحت شخصا جديدا ولد عبر مخاض طويل مرير أنجزته أنت بنفسك، كل شيء صار يبدو ثمنا بخسا أمام ما حققته بنفسك، لقد اكتشفت معنى أن يتدفق النور من داخلك، من نفسك، وليس من كوة في السقف، اكتشفت معنى قوة الاستغناء، أن تستغني عنهم، أن تجد القوة في نفسك، اكتشفت معنى الجماعة، أن تكون على حق ولو كنت وحدك، ولو كنت في البئر وحيدا.

كل ذلك كان مجرد نظريات، في البئر التحمت النظريات مع التطبيق، لم تأت حبالهم يا يوسف، لكن جاء حبل آخر لم يره أحد سواك، كان ذلك الحبل من الله، إنه حبل إيمانك يا يوسف، ذلك الحبل الذي جعلك أقوى، جعلك تتمسك به، جعلك تتسلق إلى أن وصلت إلى أعلى قمة في زمانك، حبل الإيمان.

في داخل كل منا بئر، وفي كل بئر يوسف، وأصوات تلاشت، وحبال لم تأت، يمكن لنا أن نجعل هذا البئر نهاية حياتنا، أكبر كارثة في حياتنا، ويمكن أن نجعله أفضل ما حدث لنا، دوما ثمة بئر، ودوما ثمة يوسف، ودوما ثمة إخوة يوسف.. لكننا نختار النهايات.

أعرف يا صديق أنك كنت وحيدا في البئر، كان حبلي قصيرا وكان القعر سحيقا، حاولت أن أقول لك -لا أعرف إن وصل صوتي أم لا، لكنني حاولت أن أقول-: “داخل البئر ثمة منجم في داخلك”؛ الكثيرون يدخلون التجارب الصعبة، لكن القليلين منهم يجدون المنجم في البئر.

فهل وجدت المنجم في بئرك يا صديق؟

 

عن سلسلة “لا نأسف على الإزعاج للدكتور أحمد خيري العمري

تفريغ: محمد رومان

تدقيق لغوي: مصطفى الونسافي