أحلاما سعيدة ..

233
في البداية نضع أحلاما أمام أعيننا، نبني لهذه الأحلام قصورا من الآمال نسعى لها بكل ثقة. نضع لها خططا مدروسة بدقة، ولا نتوقف عن تخيل ما سنشعر به عند تحقيقها، بل نبدأ في التخطيط لما سنفعله للاحتفال بتحقيقها.
فهي أحلام لا يراودنا أدنى شك حول كُمُونها وراء العمل الجاد والمتعب والمستمر. هي أحلام نؤمن إيمانا قويا بتحقيقها يوما ما… فنبدأ الكفاح لأجلها، نبدأ العمل الجاد ونقوم بتحمل أشد العناء فقط لتحويل هذه الأحلام إلى حقيقة، نبدأ سهر الليالي ونبدأ الاعتياد على هالاتنا السوداء، نبدأ مواجهة كل من قام أو حاول الوقوف في طريقنا ونحارب كل من عَطَّل مسيرنا أو حاول أن ينتقص من أحلامنا أو حتى أن يُلمح إلى استحالتها…

فيمر الوقت ساحبا معه أياما وسنينا نخوض فيها تجارب عديدة وتتوالى فيها الصدمات. لا يتوانى هذا الوقت في الكشف لنا عن الجانب القاسي والمظلم من الحياة ولا تُقَصر هذه الأيام في تلقيننا الدروس بكل قساوة وبدون رحمة، حينها ندرك أن الأمر ليس بتلك السهولة ولا بتلك البساطة. فبعد الإحساس بالألم الذي يمكن أن يسببه حلم فشلنا في تحقيقه- بعد الاشتغال عليه أياما وليالٍ- نعرف حق المعرفة معنى الخذلان، معنى أن ترى أحلامك وآمالك التي تعبت لأجلها تتساقط وتتحطم أمام عينيك.
مقالات مرتبطة

عندها ندخل في دوامات من الأسئلة ونضيع في متاهات لا حصر لها… فنسأل أنفسنا ما إن كان ما نمر به طبيعيا، وما إن كان جميع الناجحين قد مروا به واستمروا في المحاولة رغم كل شيء، وما إن كان التعثر والسقوط مرات ومرات ضروريا للوصول إلى القمم… نبدأ في البحث عن الخطأ الذي ارتكبناه، عن الخلل أو الذنب الذي اقترفناه والذي تسبب في كل الدمار والألم الذي نعيشه.هل الذنب الذي اقترفناه هو أننا حلمنا؟ هل يعاقب الإنسان على رغبته في شيء ما وسعيه إلى تحقيقه؟ هل يعقل أن يكون الخذلان والألم جزاءً لمن عمل وثابر وجدَّ واجتهد؟ هل يجب وضع قيودٍ لعقولنا وأحلامنا… ماذا عن كل من نجح وحقق أحلامه؟ هل أخبره أحد بخلطة سحرية؟ هل كانت مجهوداته أكبر من مجهوداتنا، أم أنه اكتفى بأحلام تَسع قدراته وواقعه؟إن هاجس الخوف من تكرار تجربة الألم والخذلان التي عشناها يغير فينا الشيء الكثير، يبعثر أوراقنا ويوقفنا ويعطل مسيرنا طالبا منا إعادة النظر في حساباتنا؛ فهو المحرك الأساسي لفكرة الاستسلام، إذ أنه يزرع اليأس ويمتص كل ما نملكه من عزيمة وإصرار وثقة في النفس، فيضع حدا لطموحاتنا وأهدافنا ويأخذ الأمل الذي اكتسبناه وتعودنا على امتلاكه منذ الصغر، أملنا في تحقيق كل ما حلمنا به…
و بعد كل ذلك، يبقى السؤال الذي يحيرنا والذي يصعب علينا حله هو: هل ينبغي علينا التشبت والسعي نحو أحلامنا بكل جنون وإيمان وأمل وثقة؟ أم ينبغي الالتزام بشيء من الموضوعية ووضع حدود لأحلامنا تفاديا لما يمكن أن نلقاه من خيبات؟ هل ينبغي أن نضع أحلاما صغيرة تسع واقعنا وتتماشى معه؟ أم يجب أن نرفع مقاييسنا لعنان السماء ونحلق بأحلامنا للمستحيل؟