سياحة الهولوكوست

923

بسَطتُ القول في المقال السابق في الحيثيات والظروف التي جاء فيها سفري إلى دولة بولندا، وأنه كان لغاية المشاركة في مؤتمر الجراحة الدولي، الدورة الثامنة والأربعين، الذي احتضنته دولة بولندا.

سنخصص هذا المقال للحديث عن هذه الدولة، وما لاحظته أثناء إقامتي هناك، من أمور تتعلق في مجملها بالعمارة والثقافة والدين والتاريخ. وهو، أعني هذا المقال، توثيق لهذه التجربة الشخصية، كعادتي في كل الأسفار التي أقوم بها، كما أنه شهادة زائر، كثير الملاحظة، لهذا البلد، وخاصة مدينة كاراكوف التي احتضنت المؤتمر، سبب هذا السفر.

بعد وصولي فورا إلى بولونيا، أول ما لاحظتهُ أن الناس هنا يرمقونك بنظرهم، ويتبادلون النظراتِ فيما بينهم، في إشارة إلى أنهم يشعرون بوجودك، ويَعُون كونَك طارئاً عليهم، الأمرُ هنا مختلف عن ما هو عليه في فرنسا، حيث الكلُّ منغلق على ذاته، كجزيرة منعزلة في محيط كبير، لا أحد ينتبه للآخر. في بولندا حين تُوقِف الناس وتسألهم يقفون إليك ويجيبونك، ويُبدون رغبتهم في مساعدتك، يمكن للمرء أن يدعي أنه ما يزال هناك مستوىً ما من السذاجة، إذا صح القول، فكلما ابتعدتَ عن مركز الثقل الحضاري المادي، وجدتَ الناس أكثرَ انفتاحاً على الآخرين، وأكثر استعدادا لفتح الحوارات وتقديم المساعدة وتبادل الأحاسيس والمشاعر.
حين وصولي إلى بولونيا، شرعت فورا في البحث عن فندق أَنزِل فيه، لكني وجدت كل الفنادق ممتلئة عن آخرها، كان خطأً ارتكبه؛ لم أقم بالحجز من قبل مجيئي، لذلك اضطررت إلى النزول في أوبيرج، فشاركتُ الغرفةَ مع ثمانية أشخاص. وفي الحقيقة، مع علاتها، كانت تجربة جيدة، لأن السعر كان زهيدا، لم يزد على ما يعادل مائة درهم مغربية، متضمن لوجبة الفطور، بالإضافة إلى أن المبيت هنا أتاح لي التعرف على أشخاص من ثقافات مختلفة، ومن بلدان مختلفة، جاؤوا لاكتشاف هذا البلد.

مقالات مرتبطة

وأما علاقتي بهذا البلد فترجع إلى مرحلة المراهقة، في ذلك الوقت الذي ظهرتْ فيه، لأول مرة، صحون استقبال القنوات الفضائة -البارابول-، كانت القنوات التي يتم التقاطها في المغرب حينها هي القنوات البولندية والألمانية على الخصوص.كنتُ في مرحلة المراهقة، وكانت تلك القنوات الفضائية هي وسيلتنا الوحيدة للانفتاح على العالم الغربي في ذلك الوقت. طبعا، كانت القنوات الفرنسية تأتي في الدرجة الأولى، ولكن كنا نشاهد أيضا القنوات البولونية والألمانية، رغم حواجز اللغة واختلاف الثقافات، غير أن بعض الإشارات كانت مفهومةٌ بالنسبة لنا، ثم مع مرور الوقت نبدأ في استيعاب بعض الكلمات وفهمها.
ومع تقدمنا في العمر وفي الدراسة، تعرفنا على هذه الدولة أكثر في دروس الاجتماعيات، وخاصة درس الحرب العالمية الثانية، إذ كانت تضم معسكرات النازية غير البعيدة عن كراكوف. كما تشتهر بولندا ببعض الشخصيات التاريخية، منها البابا يوحنا بولس الثاني، والفنان العالمي المشهور شوبان، بالإضافة إلى العالم الفيزيائي الأشهر كوبيرنيكوس، ومن غير ما سبق لم أكن أعرف عن هذا البلد أي شيء.
عندما أقمتُ طيلة أيام المشاركة في المؤتمر، كنتُ أستثمر الوقت المتبقي من التكوينات والمحاضرات لاكتشاف مدينة كاراكوف وزيارة معالمها التاريخية. و من الأشياء التي سينتبه إليها المتجول في شوارع المدينة، أو بالأحرى التي ستفرض عليه الانتباه لها، تلك اللمسة الجمالية التي تتميز بها البنايات، لن تخطئ عيناه ذلك الحرص الواضح على الجانب الفني والجمالي في العمارة، لم يكن الأمر مجرد تكديس للطوب والإسمنت، كما هو الأمر في التوسع العقاري عندنا في الآونة الأخيرة للأسف، حث لا يتم مراعاة أية معايير فنية وجمالية في العمارة.
تضم المدينة بنايات عتيقة في غاية الجمال، تتميز بهندستها الأصيلة. كما أن الزائر لهذا البلد سيلاحظ أن هناك محافظة ظاهرة لدى البولنديين، وهذا البلد مسيحي كاثوليكي بامتياز، ويبدو أنهم من المسيحيين الممارسين للعبادات، وليسوا مسيحيين بالاسم فقط، فالناس هنا ليسو « منفتحين » جدا، كما نجد في دول أخرى بأوروبا، هذه المحافظة تظهر في الرقص والغناء، وفي عدد الكنائس الكبير، فحيثما ولّيتَ فثمةَ كنيسة، وأنت خبير عزيزي القارئ أن بناء الكنائس تراعى فيه معايير هندسية ومعمارية جمالية معينة، ووجودها بكثرة يضفي جمالا ورونقا على المدينة.
لنترك مدينة كاراكوف، منذ مدة وأنا أرغب في مشاهدة فيلم قائمة شندلر”Schindler’s list” وهو فيلم مقتبس من كتاب تابوت شندلر أو سفينة شيندلر Schindler’s Ark لتوماس كينلي. الفيلم من إخراج ستيفن سبيلبرغ، بطولة ليام نيسون ورالف فاينس وآخرين، ويحكي عن قصة أوسكار شندلر، وهو ألماني مسيحي حلَّ ببولندا، وخاصة بمدينة كاراكوف، وقام بتشييد مصنع هناك في المدينة، واستغل ظروف الحرب وأوضاع اليهود الذين كانوا يعملون بأجور زهيدة لتنمية أمواله، ثم حصل له تحوُّل بعد ذلك، فأصبح أكثر رحمة باليهود، حيث بدأ يحميهم ويسهل عليهم طرق العيش، ويساعدهم في تفادي العنصرية والتقتيل الممنهج الذي كان يمارس ضدهم، وقد نجح بالفعل في إنقاذ ما يزيد على ألف ومائة يهودي من الإبادة، وهذه الشخصية اليوم من الأعلام التاريخية لمدينة كاراكوف، وهو من أبطال الإنسانية إن شئت القول.
كنت أريد مشاهدة هذا الفيلم منذ مدة طويلة ولم يتيسر لي، وحيث إن الناس هنا في المدينة، لاسيما المرشدين السياحيين، يتحدثون كثيرا عن هذه الشخصية، وجدت الفرصة مواتية لمشاهدته، وكذلك كان.كما أنني ذهبت لزيارة معمل شندلر. والملاحظ أن السياحة هنا في مدينة كاراكوف تعتمد في معظمها على هذا التاريخ اليهودي، وكيف أنهم كانوا مضطهدين، وكيف أسهمت هذه الشخصية في تقديم العون لهم. وهنا نلمس أهمية الإعلام ودور السينما، حيث يُسلَّط الضوءُ على حدث تاريخي مؤلم، لأن الهولوكوست حدث تاريخي مؤلم، لكنه ليس الوحيد ذي عرفته البشرية، بل هناك أحداث كثيرة، أكثر من أن تحصى، غير أن تسويق هذا الحدث نجح في جعل الناس يذهبون إلى كاراكوف للوقوف على المعالم التاريخية الباقية المتعلقة بهذا الحدث، مثل هذا معمل شنلدر، ومعسكرات الاعتقال النازية، واكتشاف كيف كانت؛ فأنت تلاحظ أن هذا الحدث أصبح مهما جدا في تاريخ البشرية، وتم تسويقه بشكل كبير جدا، ربما من أسباب ذلك أن اللوبيات اليهودية أصبحت تتحكم في إمبراطوريات إعلامية كبيرة جدا، ويسطون على السنيما وعلى الاقتصاد، وأصبح دورهم مؤثرا بشكل كبير في العالم اليوم.
قد تم استغلال هذه الواقعة التاريخية –الهولوكوست- أمثل استغلال لإقامة دولة إسرائيل، وهذا حدث سياسي. طبعا لا بد أن نميز بين اليهودية بوصفها دينا ومعتقدا، وبين اليهودية أو بالأحرى الصهونية بوصفها فكرا سياسيا، قامت الدولة الإسرائيلية بعد هذا الحدث، وكان لتيودور هيرز الدور الأكبر في ذلك، ولم يكن يهوديا بقدر ما هو لا ديني.
حين تأتي لزيارة هذه المدينة، لا مناص لك من أن تسمع هذا التاريخ في كل مرة، من المرشدين السياحيين من الوكالات السياحية وغيرهم. فالناس هنا حريصون جدا على استثمار التاريخ في إنعاش السياحة، وبتأثير من تلك الحكايات التي يحكيها هؤلاء، ذهبت للحي اليهودي، والوقوف على بعض الآثار التي توحي بـالتعايش والسلم بين اليهود والمسيحيين قبل الحرب العالمية الثانية، قبل أن يضطر المسيحيون للانقلاب عليهم فيما بعدُ خوفاً من النازية.
وبالجملة، فالمؤتمر كان جميلا ومفيدا جدا، تناول أهم المستجدات في الميدان الجراحي، لفت انتباهي غياب شبه كلي للدول المغاربية وشمال أفريقيا، ربما لأن هذه الدول لا تنفتح إلا على فرنسا، ولا يلتفتون لغيرها، فنخبتها مخلصة جدا لفرنسا، ولا يروقها أن تشرك بها غيرها، وكأنهم يَخشوْن أن يتحرروا من الأسر الذي يُقيدهم منذ أزيد من قرن ونصف : أسر الفرانكفونية والولاء المطلق لفرنسا. وقد يعود السبب إلى حاجز اللغة، وهو تابع للسبب الأول، ففي المؤتمرات الوطنية والفرنسية غالبا يتم اعتماد اللغة الفرنسية، في حين أن هذه المؤتمرات الدولية لا تستعمل إلا اللغة الإنجليزية، التي غدت هي لغة العلم والتواصل اليوم في كل الدول حتى في تلك التي ليست ناطقة باللغة الإنجليزية في الأصل.