لا مرارة في الموت إلا مرارة الفراق

297

تأتيك أيام لا تدري فيها ماهية الأمور التي تدور حولك، تتذكر فيها كل مواجعك، تتساءل فيها عن مجرى حياتك وعن تفاصيلها. بعد حين من التفكير والمناقشة الذاتية مع نفسك حول الماضي والحاضر، ستتذكر أن الدنيا فانية وأن رحلة الحياة ستنتهي ذات يوم عاجلا أم آجلا.
سنفارق أحباءنا الذين قلنا عنهم ذات يوم أننا لا نستطيع العيش بدونهم. سنحاول بعدها النسيان، سنتأوه وجعا وسنبكي باستمرار وعند كل خيبة أمل سنتذكر كل ما تناسيناه من قبل، فالفراغ موحش والفراق مر كنَبات الصبر، قارس كالزمهرير بل مؤلم كشظايا عذاب الضمير.

تعرفتُ على الموت مرات عديدة، رأيته على التلفاز كنتيجة للحروب، شهدت خطفه لجيراننا وأصدقائنا والكثير من الأحبة الصغير منهم والكبير. كنت أعي جيدا أنه تذكرة دون عودة وأنه لا يختار بين الغني أو الفقير، المرأة أو الرجل، الحبيب أو العدو. هو فقط يأتي عندما تنتهي صلاحيتك في الحياة ويحين موعد رحيلك.
باختصار كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ. لم أعد أحس بطعم للحياة مثل السابق فقد أخذت المنية مني أُمّين حنونتين وأبا كنت أسند عليه ظهري كلما أتعبتني مشاكل الحياة، ربما ستتساءلون كيف يمكن أن يكون لشخص ما أكثر من أم واحدة؟ بينما الجواب بسيط جدا، فإحداهما أنجبتني والثانية ربتني.
تولت جدتي رعايتي وأنا رضيعة لم تكمل بعد حولها الأول، بعد أن مرضت أمي وظلت بالمستشفى لمدة طويلة استحال فيها أمر الاعتناء بي.
قضيت غالب طفولتي تحت جناح أمي الثانية وقد كانت سيدة عظيمة، رؤوفة وشديدة الحنان- رحمها الله وجعلها من أهل الجنة- لقد علمتني الصبر، الاحترام، الرحمة ومعنى الحب بأطهر تفاصيله.

كنت دائمة الترحال تارة هنا وتارة هناك، فجدتي كانت كثيرة السفر والزيارات العائلية، خصوصاً أنها من النوع الذي لا يقطع صلة الرحم أبدا، بل يسأل عن جد الجد وأبعد النسل. لقد كانت شخصا نادرا بحق، فحنانها يغدق البعيد والقريب ورحمتها تشفي القلوب الدامية، هكذا كانت جدتي -رحمها الله- شديدة العطاء وصافية الروح.
فارقتني رفيقة دربي وسيدة قلبي سنة 2004، لقد تركت داخلي الكثير من الجراح تداركت عمقها ونزيفها بالصبر وحقيقة وجود أمي وأبي إلى جانبي حتى لو أنني ترعرعت في حضن جدتي بعيدا عنهما. كنت أدرك جيداً مقدار حبهما لي رغم إحساسي بالغربة بين الفينة والأخرى، لقد كنت أنادي والدتي باسمها، لم يسبق لي أبدا مناداتها “أمي”، لكنني أحببتها كما أحبتني وكنت مستعدة لفعل المستحيل من أجلها.

بعد مرور سنوات، تدهورت حالة أمي الصحية مما استلزم إجراءها لعملية جراحية للقلب، لا زالت أذكر جيدا حالة أبي المزرية وهو يودعها قبل ذهابها للمستشفى، فقد قبّل رأسها ثم أجهش بالبكاء كطفل صغير ستتركه أمه وحيدا وتذهب. كان صوته المبحوح يختلط بدعائه ودموعه، لا زالت كلماته تتردد على مسمعي وهو يقول لها: “أدعو الله أن يحفظك ويعافيك، وأن أكون السابق إلى دار البقاء، لا أستطيع العيش بدونك، أرجو من الله أن يقبض روحي قبل روحك، فأنت تدرين أنك باب هذا المنزل وأنا ستارته”.

مقالات مرتبطة

لم تكن كلماتي أو عبارات إخوتي ستواسي أبي أو تخفف وجله، فنصفه الثاني بين الحياة والموت، وهو الذي لا يتحمل مرارة فراق لحظي مع شريكة حياته. لقد تعاهدا على المودة والوفاء، أما العشرة المديدة بينهما فقد أصّلت الرباط وجعلته متينا ومليئا بالحب. تكللت العملية الجراحية بالنجاح لكن بعد مرور ستة أشهر قُبل دعاء أبي وتوفاه الله بموت غفلة وبدون سابق إنذار بأي وهن -رحمه الله وجعل الجنة مثواه-. كالذي يفقد روحه وسط ثنايا الحزن ويعجز عن مجاراة القدر أو إبدال المكتوب على الجبين الذي لا سبيل لتغييره. هكذا بالضبط كان شكل نظرات أمي وسط الجنازة. لقد كانت كالطير الجريح، فالخبر كسر فترة نقاهتها وحطم تفاصيل قلبها الذي لا يحتمل الغم أو الشجن، لذلك فلا مرارة في الموت إلا مرارة الفراق.

لقد صبرتُ على موت أبي من أجل أمي وحفاظا على صحتها، كنت أريد تعويض السنين التي لم أقضها بجانبها. بعد مرور شهرين على فراق سيد البيت وتدهور حالة والدتي الصحية، جاءت لزيارتي بهدف تغيير جو الكآبة المخيم داخل بيتها. لكن وقع ما لم يكن في الحسبان، فكما يقول تعالى في سورة لقمان “وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوت “. لقد توفيت أمي صبيحة اليوم الرابع من زيارتها لي، بعيدة عن بيتها، عن بقية أبنائها وفي أرض غريبة عنها. الكلمات حقا لا تكفي لوصف ألمي أو صدمتي. لقد قلت إنها أصبحت بخير وإن وضعها سيتحسن.

لازلتُ أتذكر لحظة احتضارها وكيف كان زوجي يلقنها الشهادتين بصوت مرتفع. لقد صرخت في وجهه وقلت لخالتي التي كانت بجانبي: “أرجوك أخبريني أن كل هذا مجرد كابوس سأستيقظ منه بعد قليل، هذا مستحيل أمي لم تكمل عدتها بعد من أجل أبي الذي مات مؤخرا”.
لم أكن أعي ماذا أقول أو ماذا سأفعل، فروحي كانت تحتضر ألما ودموعي كالشلال لا تتوقف عن الانهمار. لقد ماتت أمي ورفيقة سري، ملجئي ونبع الحنان.

عند خروج سيارة نقل الموتى من حديقتي، تسامحت مع أمي وناديتها بصوت مرتفع لعلها تسمعني ” وداعاً يا أمي، لقد كانت هذه آخر زيارة لك لي، أبلغي سلامي لأبي ولأمي الأخرى، إلى اللقاء يا أمي”.لقد كانت أول وآخر مرة أنادي فيها والدتي بكلمة “أمي”. أتدرون أن اليتم لا عمر له، وأن الفراق حرمان شديد القسوة يصعب التأقلم معه بسرعة!

لم يعد هنالك شيء كسابق عهده، كأن المحبة بيني وبين أخواتي قد اندثرت بعد وفاة أمي رحمها الله، أصبحنا كالسياسيين كل حزب يجري في مصلحته ضد الآخر.. فعلا حرب أخوية اندلعت بعد موت الوالدين والغريب في الأمر أن الأسباب تافهة. لازلت لا أتفهم كيف يطاوعهن قلبهن على إضمار السوء لمن يحمل معهن نفس النسب والملامح، ناهيك عن التحريش والتحريض الذي لابد منه كاكتفاء ذاتي ينسيهن أننا من رحم واحد. أحيانا أعذرهن على عدم حبي كوني تربيت في فترة من حياتي بعيدة عنهن، وأحيانا أبكي حرقة وأنا أتساءل عن ذنبي الذي لم أقترفه أبدا. لطالما قابلت أفعالهن وأقوالهن الجارحة بالخير والصبر. وكم تغاضيت وغفرت زلاتهن إلى أن طفح الكيل فتركت كل أفعالهن وتجريحاتهن للخالق الرحيم والعادل، للّبن الذي تقاسمناه من ثدي واحد، لدم القرابة ولضميرهن النائم إذا استيقظ يوما ما.

إنني أناجي دائما أمي في دعائي وقيامي وأخبرها عن كل ما يؤرق نومي، وهي كذلك لا تبخل علي بنصائحها من العالم الآخر فهي تزورني في منامي بين الفينة والأخرى كأن روحها ترافقني وتسمع تنهداتي.
إن الأم سند واحتواء، لا مثيل لها في الكون ولا تعويض يكفي لمكانها. لذلك أحسنوا إلى والديكم بما تستطيعون من البر واعلموا أنكم كالصدقة الجارية. فطوبى لكل أم وأب أحسن التربية وترك ابنا صالحا يدعو له بالرحمة والمغفرة.