الفشل نجاح أيضا

263
الإحساس بالفشل هو إحساس راودني مرتين، حياة ممزوجة بالفشل والنجاح أفضل من حياة كلها نجاح، في الفشل نتعلم ونحاول مرة أخرى كي نتعلم من جديد، فشلي في السنة الأولى باكالوريا كان مؤسفا، حاولت أن أوقف استمرار الحياة، بسبب الآخر نجعل حدا للعديد من أحلامنا من أجل الآخر، نفعل ما يريده الآخر كي يصمت ولا يزعجنا بكلامه، حقا حاولت أن أضع حد لاستمرار دراستي، لكن هناك دائما شيء خفي يسير ليؤدي بك إلى الأفضل، لولا الآخر أيضا لتقبلت الفشل وفشلت، هنا يمكن لنا أن نقول أن هذا الآخر قد يدفعنا إلى الأمام، أمام طموحاتنا كما أنه أيضا قد يقف كحاجز أمامنا ويجعلنا نتقبل الفشل ونتراجع الى الوراء، الآخر يمكنه أن يكون قدوة ويد مساعدة مقدمة للعون، ويمكنه أيضا أن يكون حاجز لك ومنبع إزعاج، هذا الآخر جعلني أنسى ذاك الفشل، وأبدأ من جديد، نعم أن أساير كأن شيء لم يقع.

بدأت من جديد كما تطوى صفحات أي كتاب لتبدأ القراءة في كتاب آخر هكذا فعلت، تماشيت مع الوضع وأنا كلي أمل في غد أفضل ونتائج أحسن تعاملي هذا اليوم لم يكن له مثيل من قبل، أصحبت أتعامل بجدية ولا أعرف للحياة وقتا للضياع حقا، أصبح مصيري كله وقت ممتع، حياة أفضل مع كل تلك الطموحات، حققت شيء جيدا تعلمت ما لم أتعلمه من سنوات، انتهى وقت الجد وحان وقت الوجود كما يقال “من جد وجد”، فعلت من الجد ما يكفي لكني لم أجد شيء.
مؤسف للغاية أن تجد نفسك بعد عناء طويل مرهق، متعب، لم تجد أدنى إحساس للنجاح، فشلت للمرة الثانية وهذه المرة سقطت فارغة الوفاض على الأرض كأني جثة، قبل أن أدري فشلي للمرة الثانية كنت على يقين أني سأستوفي النجاح أو ربما على وشك، بعدا انتظار ساعات طويلة أدركت أني لم أحصل سوى على علامة 20/9،93، لا أدري وصف إحساسي بالكتابة حقا، إختلطت عليَ كل الأحاسيس ينقصني شي قليلا لينتهي عذابي.
هكذا تحدثت أمام شاشة الحاسوب “شيء قليلا أيها الحاسوب، ربما أنت كاذب أيها الحاسوب، لا، لن أصدق ما كتب لي، هذا خاطئ تماما “، أخدت أسير في طريق طويلة لأبحث عن نفسي، في نفس الطريق وجدت تلك اللائحة المشؤومة التي تضم كل أسماء الناجحين إلا إسمي، أحقا هذا كله يحمله حظي السيء؟
نلت من الجحيم ما يفقدني صوابي أحسست بالتعب هذه المرة، بيني وبين نفسي سأتحمل هذا، وأحاول مرة أخرى، وبيني وبين الآخر لا يمكنني أن أرفع رأسي، ولا يمكنني أن أتحدث مرة أخرى، حينها فكرت في شيء واحد، ماذا سأقول لأبي حينما يسألني؟ “حقا فشلت وفرضيتك كانت في الصميم يا أبي”.
كلها أحاديث تزعجني في مخيلتي وأنا أمشي ببطيء، وأتمنى أن لا أصل لذلك المنزل، منزلنا المزعج دخلت في خفاء وأقفلت الغرفة وخلدت للنوم، نوم أشتهيه بملأ عشق ذاكرتي، آه إنتظرت هذه الراحة كثيرا، أشعر بالتعب بالإرهاق بكل شيء مقرف، لا أريد شيء سوى أن أنام بعيدة عن ضجيج كل تلك الأصوات، هذا، ذاك ،تلك ،أبي ،أمي وأخي، فعلا أنا لا أريد شيء بقدر ما أريد نوما عميق نوما لن أستيقظ منه ،حاولت دون جدوى ولكن لم ينفع النوم بشيء.
كنت أنظر لعقارب الساعة التي تخيفني في كل ثانية وتذكرني أن مع الرابعة مساءً سيأتي الجميع للمنزل، ماذا بوسعي أن أفعل وأنا قد فعلت ما يكفي، لم أشعر حينها لما رأيت أدوية مبعثرة فوق خزانتي، بدأت أتناول جرعات منها ولم أفكر أنها ستنهي حياتي كل ما فكرت فيه هو أنها ستأخذني لنوم أعمق ولمدة أطول، أتناول حبوبا سامة، أقتل نفسي بيدي دون علمي، غبية حقا لأني جعلت حياتي في يد الآخر، صدق سارتر حينما قال “الآخر جحيم”. بدأت أشعر بألم حينها أدركت أني وضعت حداً لنهايتي، لكن نهايتي لم تحدث بفضل الآخر أيضا الذي ينقد الأرواح من الموت ويمسح الألم من الأجساد.
طال عمري وكسبت حياة أخرى غير الحياة التي قتلتها لسبب تافه، لكن هذه الحياة بدون أمل، نفس الآخر الذي هدم أحلامنا يقف اليوم في طريقنا لكي لا نصل، لكن هذه المرة سأقف في طريقه وأجعل طريقي تغلب على طريقه، فعلا بعد الفشل للمرة الثانية وبعدما سقطت في الأرض سأقوم، وأحاول المحاولة الأخيرة التي تتاح لي.
حاولت وهذه المرة نجحت بالفعل تحققت الأمنية، أرى إسمي أول الأسماء في لائحة الناجحين، وضعت يدي على رأسي، أحقا فعلا انتهى جحيمي، كانت أمنيتي بعد الإنتهاء أن أرتاح في نوم عميق، لكن بعد النجاح لم ينتابني ذاك النوم الذي إنتظرته، لم تتركني تلك الفرحة قط أصبحت كالحمقاء، كأني سجينة في سجن محكوم عليها بالمؤبد واليوم خرجت للحرية.
لولا الفشل لما عشنا كل هذه الأحداث التي علمتنا وعلمنا الآخر منها، لولا الفشل لما أصررنا على النجاح في كل ميادين الحياة.
الفشل هو نجاح أيضا.