الأنا في الـ”نحن”

200

أسهل شيء يمكن للإنسان أن يفعله في حياته هو أن لا يفعل شيئاهذا هو الأسهل على الإطلاق, لان أي فعل سيتطلب جهدا من نوع ما، على عكس اللافعل الذي يتطلب أن تجد التبريرات اللازمة التي ستقنعك انت  الاخرين بأن وضعك هذا هو الوضع الطبيعي أو المقبول، أو أنه ناتج عن ظروف خارجة عن إرادتك، أو أن تعتبره هو الوضع السليم والجيد و الأنسب، و في كل الأحوال لابد من تبريرات للوضع، وهذا هو أكبر جهد سيبذل من قبلهم!

 إن من يريد أن يفعل اللافعل سيجد لنفسه مبررات حتى وإن كانت على حساب التأويل الخاطئ للنصوص الدينية نظرا لمكانتها داخل المجتمع، وهذه أكبر جريمة ارتكبت بحق نصوص الدين، لأنها نزلت من أجل أن تحثنا على العمل.

إننا غالبا ما نجد بعض الأشخاص يبررون سلوكياتهم السلبية، بكونها طبيعة بشرية لا مجال لتغييرها، و تجدهم هم نفس الأشخاص الذين يستندون للنصوص الدينية لتبرير أفعالهم، ولو دققنا في القران الكريم لوجدنا أمورا تستدعي الشك في موقفنا لتجعلنا نتساءل: هل يا ترى هم على حق في ادعائهم السلبي؟

سنجد مثلا :

” وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا ” النساء:28
” وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ” هود:9
” إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ” إبراهيم:34
” خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ” النحل:4
” وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا ” الإسراء:11
” وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا ” الإسراء:100
” إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْر ” العصر:2

نعم، ستجد أن الكثير من السياقات التي ذكرت فيها لفظة الإنسان في القرآن الكريم، كانت تصف الإنسان فعلا بصفات سلبية.. هناك تركيز واضح على سلبيات الإنسان..
لم يقل أحد إن الإنسان كله إيجابيات أصلا.. لا مفر من الاعتراف بوجود سلبيات، لكن السياقات القرآنية المرتبطة بلفظة “الإنسان” تركز على السلبيات..

خلق ضعيفا، هلوعا، جزوعا، منوعا، قتورا..
ألا يعطي هذا بعض التبرير لمن يريد أن يستمر في وضعه الضعيف؟

سيقول: لقد خلقت هكذا.. !
       بالفعل عندما تقرأ الآيات معزولة عن سياقاتها فسيضيع معناها، فالقرآن يضع يده على سلبيات نعاني منها نحن بشر، وهذا إيجابي حقا، فالإيجابية ليس أن تتحدث فقط عن إيجابيات الإنسان، بل أن تدله على سلبياته ليصححها…

وهكذا فإن القرآن نبهنا لسلبياتنا، لا لكي نعتبرها قدرا لا فكاك منه، بل لنتجاوزها بالاستعانة بإيجابياتنا كبشر، خاصة وأن إدراكنا لسلبياتنا هو بمثابة تشخيص لمرض سيتم العلاج منه.
غير أن الأشخاص السلبيين سيقفون عند التشخيص، ويتكاسلون في البحث عن العلاج الذي قد يكون على بعد آية واحدة من التشخيص.

تتكرر في القرآن كثيرا  إِلَّا الَّذِينَ…”و هو استثناء إيجابي لما سبق من صفات سلبية..
إلا الذين آمنواإلا الذين تابوا…. إلا الذين أصلحواإلا الذين صبرواإلا الذين تواصوا بالحق

مقالات مرتبطة

أحيانا هذه الاستثناءات الإيجابية تأتي مباشرة بعد الآية التي تصف الإنسان بالسلبية، كما في سورة العصر.. ” وَالْعَصْرِ؛ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ؛ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبر“.

وأحيانا تكون على بضع آيات، وأحيانا تكون أبعد، ولكن هذا الاستثناء موجود دوما في عموم آيات القرآن الكريم.

للوهلة الأولى، ستعتقد أن علاج هذه السلبيات هو في هذه الاستثناءات: الإيمان، العمل الصالح، التوبة، الصبر، التواصي بالحق… إلخ وهذا صحيح فهذا جزء من العلاج دون أدنى شك، ولكن فلننتبه هنا إلى شيء مهم، كل هذه الصفات السلبية ذكرت على إنسان فرد، بصيغة المفرد وكل الاستثناءات الإيجابية كانت على صيغة الجمع و ليس الأمر صدفة حاشا لله أن يكون كدلك، ومن بين الصياغات:
الإنسان خلق ضعيفا، لكنه سيصبح قويا عندما يكون ضمن مجتمعه..
خلق هلوعا، لكنه سيشعر بالأمان ضمن المجتمع..
خلق جزوعا، لكنه سيشعر بالتماسك ضمن مجموعة تحتويه وتضمه..

هذا هو المعنى المهم في كسر الصفات السلبية الموجودة في الإنسان كفرد..
سبيقى الإنسان محتفظا بصفاته السلبية تلك ولو بقي ضمن إطار فرديته الضيقة، ضمن أناه، لو رفض أن يتفاعل مع مجتمعه وفقا لمبدأ الأخذ والعطاء وسيتخلص من أناه عندما يدخل دائرة المجتمع المتفاعل بالعمل الصالح .

وها قد أدركت الأنا التي فيك وعرفتها مميزة جدا، مثل منجم مليء بالفحم الخام الذي يمكن أن يولد الطاقة لكنك للأسف تستهلكها كما لو كانت فحمة تحرق بها أنفاسك، لم تُخلق أناك لتُحرق هكذا أو لتحرقك و لم تخلق لتبدرها و تضيعها في اللاشيء و اللافعل بل خلقت لكي تساهم في شيء أفضل …

تقول إنك مليء بالسلبيات والضعف والعيوب، وإنك تخجل أن تقول ما تفعله أناك في خلواتك؟

لا تكن أبلها يا صديق، كلنا هذا الرجل، لكن يجب أن لا يدفعنا هذا لخطا أكبر، خطأ أن لا تفعل شيئا تجاه ذلك، أن لا تفعل شيئا في حياتك…

هذه الأنا كنز يا صديق.. لكنها كنز دفين، لا يمكن أن تصل إليه إلا عبر طريق واحد فقط..
طريق يمر ب “نحن“..الأنا في ” نحن” يا صديق..

 

عن سلسلة “لا نأسف على الإزعاج” للدكتور أحمد خيري العمري

تفريغ : عبد الرحمن الحداد أصوفي

 تدقيق لغوي: آية الصابر