دعه هو يراك… لتتذكر وجهتك

229

حال الدنيا كحال قطار لا يمر على محطة مرتين، يمضي قدما وتمضي سنين عمرنا معه، ومعها تمضي آمال وذكريات وقصص…أناس ألفناهم نزلوا منه مبكرا غير آبهين بأن بعضا منا قد نزل معهم، وأناس نزلوا منه كرها لتنزل معهم أسرار عن خبايا هذا القطا…وأحلام ضاعت فيه لتنزل بدورها في محطات مضت، وأحلام أخرى قد صعدت من محطات تلت على أمل أن ترى الضوء في محطة ما…

مقالات مرتبطة

قطار الحياة هذا كقطار المدن الهندية، لا يقتصر على درجتين من حيث التصنيف من المقصورات، بل هناك الكثير من الدرجات من الأولى إلى من لا درجة له، حيث ستجده فوق سطح المقصورات أو معلقا على حافة الخطر، والجميل السيء في هذا القطار أنه ليس شرطا أن تنهي رحلتك عليه في نفس المقصورة ولا نفس الدرجة، وهذا الجزء بالخصوص هو الذي يسعى معظمنا إلى تحقيقه أو تجنبه.

يمضي القطار قدما ونمضي في هوسنا لنظفر بأرقى الدرجات فيه، ننجح مرة ونتقهقر مرة ونصارع بعضنا وذواتنا فيه مئة مرة، صراع لا ينتهي إلى أن تكاد رحلة المرء عليه أن تنتهي، وإحساس لن يخبرك به إلا أولئك الذين يعلمون أن رحلتهم قد شارفت على الانتهاء، وأن المحطة التي سينزلون عندها ليست هي التي كانت في الحسبان، سيخبرونك بكل حسرة أنهم عاشوا في القطار ولم يعيشوا الرحلة…عاشوا في الدنيا ولم يعيشوا الحياة.

إن انصباب تركيزنا على كل ما هو مادي وتقييم ذاتنا وفقه يجعلنا خاضعين لعالم المحسوسات مجرد من القيم والمعاني العميقة، وبالتالي فإنجازاتنا وأهدافنا بل وكل حياتنا مجردة منها عالقين في سطحية نشوة اللحظة التي تتبخر مع مرور الزمن، فتتعكر طمأنينتنا حتى إشعار نشوة أخرى تجري بنا بعيدا عن صدمة العدم، متجاهلين أن بين نشوة وأخرى هناك ثمار ضاعت لعدم إدراكها، هناك حياة ضاعت لعدم استشعارنا لها، وهنالك روح تائهة نسيت بأنها في رحلة نسيت وجهتها بينما شغلت كل وقتها بما هو داخل القطار.


هناك عوامل كثيرة جعلت إنسان هذا العصر يسقط بكثرة فخا لهذا الهوس لدرجة أنه أصبح موضوع العصر، خصوصا وأننا في عالم رأسمالي رهين بالأرقام، مما جعل حياة الفرد مقيدة بهاته العوامل لدرجة أن البعض أصبح مفهوم الحياة بالنسبة له مغلوطا أو منعدما، فنلعنها ونلومها لتراكم ضغوطها وقسوتها علينا غير معترفين بأنها ضغوط أنفسنا لا الحياة، فتجدنا في الأخير نتمنى لو لم نكبر أو أن هناك وصفة ما تعيدنا لأيام الصبا… أوليست الحياة نفسها؟…فماذا تغير؟

هناك شخص واحد هو القادر على أن يجيبك بعمق ودقة عما هو أعمق من هذا السؤال، لكن لكي تقابله يجب أن تتعامل مع الخطوات التالية بكل صدق، وأولا قبل أن نبدأ، يجب أن تختار لنفسك مكانا بعيدا عن الضجيج لتستمتع بهذه التجربة. 
-اجلس باسترخاء وخذ نفسا عميقا حتى تجد نفسك أنك مستعد للمرحلة الموالية، ولا تمر للخطوة الموالية حتى تتم الخطوة التي قبلها.
-غص في ذكرياتك بحثا عن ذلك الطفل الذي كنته في الثامنة أو ما يقارب ذلك من عمرك.
-تذكر ملامحه الطفولية، عيونه، وأنفه، وبشرته وشعره…حتى يبدو وجهه واضحا أمامك.
-تذكر أحاسيسه، وسذاجته وصدقه، تذكر لحظة فرحه وحزنه…تذكر مواقف من صباك لتساعدك على ذلك.
-تذكر ملابسه، تلك الملابس التي لازالت مرتسمة في ذهن…
-والآن هاهو واقف أمامك كما تخيلته…والآن…فقط دعه هو يراك، نعم، دعه هو يراك بعينيه…كيف أصبحت وأين وصلت…ولا تقاطعه حتى يكتفي هو برؤيتك…
سيخبرك بما لم تدركه قط…إن عشت التجربة بصدق.