نصف لا يشبهني

718

مما لاشك فيه أن الزواج ميثاق غليظ، ورابط روحاني مقدس يجمع بين طرفين في علاقة أساسها المودة والرحمة والاحترام .. فالله تعالى خلق لكل نفس زوجها، وهو يعلم مدى حاجة النفس لمن تسكن إليه ويسكن إليها، وقد فطر الله سبحانه وتعالى مخلوقاته على طبيعة الاحتياج لشريك وملاذ آمن، يكملان بعضهما في تآلف ومودة، تجمع بينها علاقة ود لا يغيب بغياب شمس المجاملات الكلامية، ويشع في سماء الاضطرابات العابرة، كنجمة متألقة تضيء سواد المشاحنات الأسرية.

لكن هل حقا هذا المفهوم الطاهر، والنظرة الشمولية للزواج هي التي ينظر بها شباب اليوم، أم لهم رأي آخر؟!

إن الزواج من منظوره الحالي، والذي استحوذ على فئة كبيرة من الشباب، يتجلى في منشورات بالمواقع الإلكترونية؛ حيث يتشاركان تغريدات تلفها المحبة بعبارات متألقة…تحلق فيها أسراب من عبارات الإعجاب المتبادلة، فكل مناسبة عامة أو خاصة، لا تحلو إلا بمشاركتها مع مجتمع العوالم الافتراضية؛ حيث يعم الحب وتنعدم الكراهية، يُضمر الحقد والغل، فيأتيك مغرّدا بمعزوفة حب تحسبها عذبة شجية، والحقيقة أنها صاخبة حنظلية.
مواسم الزواج الثلاثة، لا تكتمل إلا بالتوثيق المؤرخ للحظات مع دستور من الخطابات الرومانسية…فموسم الخطبة يشتهر بصورة ليدين وقد زينهما خاتم الزواج المعلوم، مع الدقة اللامتناهية في عرض لوازم الخطبة التي جاد بها عريس الغفلة المنتظر، ودون إغفال عبارات المحبة بأن تتم الصالحات؛ حيث سنلتقي في موسم عقد القران الأكثر تشويقا وعرضا للأحداث، هنا تفيض ينابيع الفؤاد بحب صاف زلال، وتنفجر براكين التعبير فرحا بقرة العين وتاج الرأس، ومتمنيات أخذ باليد إلى الجنة…تتزين الصور بنظرات حب طاهرة يغلفها الفرح والسرور، وتجود الأقلام حمدا وشكرا أن بنعمته تمت الصالحات، الأصابع ترتجف لحظة التوقيع الحاسمة، والأيادي تصفق بحرارة وأصوات جمهورية، ترتسم على محياهم ابتسامة طفولية، وتنطق الألسنة بالتبريكات والأدعية الرسمية.

مقالات مرتبطة


لا تكتمل المراسم الاحتفالية إلا بعرس فاخر يتكرر فيه توثيق اللحظات؛ إذ تكون التغريدات أكثر لحنا وطربا، وأعلى صخبا وهرجا…

شهر من ممارسة الحب تحت خيوط شمس المحبة المتناهية، في جو من الرومنطيقية الفارغة؛ حيث ترسل الشموع نورها، ويلتقي عبير الورد الأحمر بالتقاء الثغرين وقد جادا بأسمى عبارات الود الشهوانية…فريثما تنقضي الأيام المعدودات، وتفرغ جعبة الحب لآخرها، يعود العصفوران لعش الحياة الزوجية الدائمة، ففيها يشمّر البرود على ساعديه، وتبدأ مرحلة جديدة غابت عنهما في استعداداتهما الموسمية، يُسدل ستار العرض المزيف في مواسمه الثلاثة، ليكشف الغطاء عن وجهين غريبين لم يعتادا وجودهما، بل لم يخطرا على بالهما…الدوام يخفي المجاملات، ويعري على السلبيات؛ فالعيش تحت سقف واحد ليس بهذه السهولة. أن تتقبل شخصا بسلبياته وتخفي مرارة بعض المواقف بغطاء المحبة والمودة، هنا يكمن الصبر ويكبر الحب الحقيق الأصيل، فأن تختار شخصا بإرادتك وكامل قواك العقلية، وتوقع عقدا وميثاقا غليظا بخالص حبك كما ادعيت في تغريداتك السابقة ودون أي تهديد أو عنف أو إرغام…وتأتي لاحقا تشتكي قبح أخلاقه وسوء معاشرته، هنا يكون النفاق بعينه والجهل بنفسه…فمهما كبر حجم الخصام، وتضاءلت فرص الاستمرار يبقى هناك حل أحله الله تعالى للمواقف التي تنعدم فيها سبل الاتفاق، وتنقطع طرق الوصال، ليكون حلا ينهي مهزلة الخوف من العنوسة باختيار نصف لا يشبه نصفي.

قبل أن تُقدم على اختيار شريك الحياة في عصر المواقع والمظاهر الفارغة، تيقن أن جمال البدايات كيفما كان لا يدوم، ما يدوم هو المودة والرحمة.
فلا تملأ فراغك بنصف لا يشبهك، من أجل منع لسعات المجتمع اللاذعة، ومصطلحاتهم الفارغة.