الذكاء العاطفي

184

ظهرت في الآونة الأخيرة دراسات وكتب تتحدث عن نوع جديد من الذكاء، أطلق عليه “الذكاء العاطفي”. ويُعتقد بأنه يساهم بأكثر من 80% في تحديد احتمالية نجاح الفرد أو فشله في الحياة، في حين أن الذكاء التقليدي يساهم بأقل من 20% فقط. فما هو إذن الذكاء العاطفي؟

يمكن تعريف هذا النوع من الذكاء بخمس قدرات مختلفة:

  • قدرة الشخص على معرفة وفهم مشاعره الخاصة، وذلك بمراقبة مشاعره النفسية أثناء حدوثها وإدراكه أسبابها وفهمه أبعادها في سكونها وتقلباتها. الأشخاص الأكثر تفهما لما يشعرون وتيقنا بصحة فهمهم وإدراكهم لها هم أكثر قدرة على إدارة دفة حياتهم وأكثر ثقة في قراراتهم الخاصة.

 

  • القدرة على السيطرة والتحكم في المشاعر النفسية، ولا تتحقق هذه القدرة إلا بتحقق الأولى.

الأشخاص الأكثر قدرة على التحكم في مشاعرهم هم أكثر قدرة على النهوض بعد السقوط والتغلب على المحبطات والنكسات.

 

  • القدرة على تحفيز النفس على العمل لتحقيق الأهداف والتحكم في النزوات والشهوات وكذا تقديم العمل وتأخير الراحة والقدرة على الاندماج في العمل والذوبان فيه بكل العواطف والمشاعر.

 

  • القدرة على ملاحظة وفهم وإدراك العواطف والمشاعر الإنسانية لدى الآخرين. الأشخاص ذوو القدرة العالية في هذا المجال قادرون على التقاط وملاحظة التغييرات الاجتماعية البسيطة في من حولهم وفهم احتياجاتهم النفسية، وهم بذلك أفضل من غيرهم في أعمال كثيرة تتطلب التعامل مع البشر.

 

  • القدرة على التعامل مع العلاقات الشخصية والتحكم فيها، وهذه القدرة هي التي تحدد مدى شعبية الشخص وتقبل الناس له وقدرته على الرئاسة والقيادة.

 

الخطير في الأمر، أن عددا كبيرا من الأمهات والآباء لا يدركون أن هذه القدرات الخمس تتكون في السنوات الأولى من حياة الطفل وما فُقِدَ منها يصعب استدراكه.

 

تساهم نوعية البيئة المحيطة والتفاعلات التي يعيشها الطفل في سنواته الأولى في تنشيط أجزاء معينة من دماغه وتقوي الإشارات العصبية لديه، الأمر الذي يؤدي إلى نمو ذلك الجزء من الدماغ.

 

وتشير الدراسات العلمية إلى أن مجموع التفاعلات والمشاعر التي يعيشها الطفل في سنواته الأولى تؤسس وتؤصل لديه مجموعة من الدروس العاطفية تبقى مدى الحياة كمرجعية ثابتة وراسخة للتعامل مع محيطه والبشر من حوله، ولذلك عندما تُستثار هذه العواطف يكون أول تصرف يقوم به الشخص انعكاسا لهذه العواطف الدفينة التي تذهل الشخص نفسه بعد حدوثها، وهذا ما يسمى في علم النفس باختطاف العقل.

 

الدماغ لا يخزن المعلومات ويحدد قدرة الطفل المستقبلية على التحليل العقلي فحسب، بل ويخزن المشاعر والأحاسيس والعواطف في جزء من الدماغ يسمى AMYGDALA، وقد كان الدكتور جوزيف أ. لودو من الأوائل الذين اكتشفوا الدور الذي تقوم به AMYGDALA في تكوين تصرفات العقل، وأن هذه الغدة تستطيع السيطرة على أفعالنا في الوقت الذي يفكر العقل الواعي في اتخاذ القرارات. لأن هذه الغدة تنمو سريعا في مراحل تكوين دماغ الجنين، وعملها أشبه ما يكون بكاميرا الفيديو التي تسجل كل ما تقع عليه العين وتخزنه ليشكل المرجعية النفسية للطفل، ولذلك فعلم النفس يقول: أعطني اهتماما وعناية في الخمس السنوات الأولى من حياة الطفل، أعطك إنسانا ناضجا في المستقبل.

 

إن المجتمعات التي لم تحظ بنصيب كاف من العلم، يٌنْظَر فيها للطفل نظرة الجاهل الذي لا يدرك ولا يفقه علما. بينما الطفل يفقه قبل أن يصل إلى الخامسة من عمره، وأكثر الناس تأثيرا عليه هم والداه، فهما مرآته ونافذته على الدنيا، فإن أغلقا عليه نوافذها، لم ير منها إلا جدرا استمر كل حياته.

 

في أمريكا كما في دول أخرى، هناك أماكن مخصصة وبرامج محددة للأطفال من 0 إلى 6 سنوات تحوي ألعابا وأنشطة جماعية وفردية مدروسة لتنمية حواس الطفل وقدراته العقلية والنفسية والاجتماعية. وفي مشاركة الوالدين فوائد جمة تعين على تعميق العلاقة بين الطفل ووالديه.

سمعت أن هناك أنشطة مشابهة في المدن العربية بشكل مبسط للأطفال وأمهاتهم، ولكنني تألمت عندما وجدت أن الأغلبية العظمى من الأطفال يكونون بصحبة الخادمات دون الأمهات، وليس في ذلك إهدار لأي فائدة مرجوة فحسب، بل وقد يكون لذلك نتائج سيئة فيما بعد. وانه لمؤسف حقا، أننا نقلد الغرب في الأشياء السيئة أكثر مما نقلده في الأشياء الجيدة. ويغيب عنا أن الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

 

إننا في حاجة ماسة لإعادة المفهوم الصحيح للأسرة، وإيجاد التفاعل الصحي الأمثل للأطفال مع والديهم، خاصة في السنوات الأولى من العمر، فهذه السنوات لا تعوض. إن أطفالنا أرض خصبة في أيدينا وما نزرعه اليوم فيهم، نحصده نحن ومجتمعاتنا في الغد. وإننا لمحاسبون عما نزرع، فلنتق الله في ذلك.

 

عن سلسلة “ومحياي” للدكتور وليد فتيحي.

تفريغ: فاطمة السديدي
تدقيق لغوي: آيت الله هيدور