دنيا الله

120

فلنعترف، أن في ثقافتنا الموروثة، ثمة ذم كثير للدنيا، سواء كان مدعوما بنصوص دينية أو أقوال علماء أو أمثال شعبية سائدة. وغالبا ما يقود هذا إلى حدوث انفصال بين السعي للدنيا والسعي للدين، كما لو أن هناك انفصاما بينهما، أو أن من يعمل للدين لا يعمل للدنيا بالضرورة. هذا الطلاق بين المفهومين قاد الى مشاكل كثيرة في حياتنا.

في ثقافتنا الموروثة، ثمة حقنة مركزة من ذم الدنيا. هناك كتب أثرت فينا وفي الأجيال المتعاقبة، تجعل من ذم الدنيا عنوانا لها. فلنسأل الآن أنفسنا هذا السؤال: كم مرة ورد ذم الدنيا في القرآن الكريم؟ لا تتعب نفسك، لا يوجد ولا مرة واحدة فيها ذم الدنيا في القرآن الكريم، ولا حتى مرة. ستقول ماذا عن: وما الحياة الدنيا الا لعب ولهو…”[سورة الأنعام: 32] ستأتي بأي شيء من ذاكرتك، ومع ذلك، ستجد أن كل الذم في القرآن الكريم هو للحياة الدنيا وليس للدنيا لوحدها. هل هناك فرق بين الدنيا والحياة الدنيا؟ مادام القرآن قد ميز في التفريق بينهما، فهناك فرق. كل الذم جاء للحياة الدنيا، أما الدنيا فقد جاءت في مواضع مختلفة.

فلنتابع  آيات الدنيا:

– “ومنهم من يقول ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار” [سورة البقرة: 201].

– “فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الاخرة والله يحب المحسنين” [سورة آل عمران: 148]. – “من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا” [سورة النساء: 134].

–  “وقيل اتقوا ماذا انزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الاخرة خير ولنعم دار المتقين” [سورة النحل: 30].

– “واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة انا هدنا اليك قال عذابي أصيب به من أساء ورحمتي وسعت كل شيء فساكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يومنون” [سورة الأعراف: 156].

أين الذم؟ أين الأوصاف السلبية التي تعودنا أن نسمعها عن الدنيا؟ لا يوجد. على العكس، سنرى في هذه الآيات أن نبيا مثل السيد المسيح كان وجيها في الدنيا. إذا كانت الدنيا في منزلة وضيعة، فلِم على نبي، مثل السيد المسيح ان يكون وجيها فيها”؟

مقالات مرتبطة

عقلي وقلبي!

أزمة التثقيف

سنرى المؤمنين وهم يطلبون حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة، ولا ينالون تقريعا على ذلك. لأنهم قدموا طلب حسنة الدنيا على حسنة الآخرة. سنرى الدنيا وهي مكان ينال فيه المجرم عقابه، مكان لإحقاق الحق ونشر العدل، هذه هي الدنيا لا ذم لها في القرآن الكريم.

ماذا عن الحياة الدنيا؟ نعم، هناك ذم كثير. ولكن ما هي الحياة الدنيا؟ هي حياة بمعايير متدنية، نمط من الحياة الملتصق بالغرائز. هذه هي الحياة الدنيا التي توجه لها الذم والنقد في القرآن الكريم، ولكن ليس دنيا الله عز وجل. الدنيا هي موضع استخلافنا، هي موضع الامتحان، وهي مادة الامتحان في الوقت نفسه. وهي دنيا، لأنها قريبة منا ومحيطة بنا .

الدنيا ليست مكانا مثاليا بالتأكيد، وهذا هو الامتحان فيها، أن نجعلها أفضل. الدنيا هي ما نفعله بها، يمكننا أن نحقق العدل كما أمر العدل، ويمكننا أن نبرهن على مخاوف الملائكة، يوم قالوا: “أتجعل فيها من يفسد فيها” أو تحقق رهان إبليس يوم قال: “فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين“. في الحالتين لا يمكن لنا أن نصف الدنيا بصفة سلبية فقط، لأننا فشلنا في جعلها أفضل. على العكس، لو آمنت أن الدنيا سلبية بشكل أساسي كجزء من طبيعتها، فإن هذا لن يساعد في جعلها أفضل. بل إنك لن تنجح في جعلها أفضل، إلا لو آمنت بإايجابياتها. هذه الدنيا موضع استخلاف، وضع فيها الله لنا كل الموارد لكي يختبرنا. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: “الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تفعلون“.

ماذا عن ذم الدنيا في تراثنا السائد، كيف حدث هذا؟ يسند هذا أولا على عدم التمييز بين الدنيا والحياة الدنيا، وأيضا، على عدد كبير جدا من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والتي لا أصل لها. ولا ننكر أن هذا الذم قد بدأ يتطور ويتكرس عندما دخلت الحضارة الإسلامية في مرحلة الترف المؤدي إلى الانهيار. وبدلا من أن تحدث نظرة متوازنة نحو الأمر، حدث هذا الذم للدنيا. عندما تكرست هذه النظرة وانتشرت، كانت الحضارة الإسلامية قد دخلت في غُلوها، وصار ذم الدنيا بمثابة مُسكن للألم للمسلم الذي ضاعت منه. لم يقصد أي من العلماء على علو مكانتهم أي شيء من هذا، لكنهم بشر، يصيبون ويخطئون.

وماذا عن دنياك انت يا صديق؟ فلنعترف أن القصة معقدة. الدنيا هي الطريق الوحيد إلى الآخرة، ليس من طريق آخر. ولكن هذا الطريق يمكن أن يقود إلى شيء سيء في الاخرة، أو إلى شيء جيد. لكي تحصل على مكانة جيدة في الاخرة، عليك أن تحسن وضع الدنيا. عليك ان تجعلها أفضل، فهذا هو الامتحان. يقولون لك أحيانا، فلتكن الدنيا في يدك، وليس في قلبك. انس هذا، هذه المعادلة صعبة. لا يمكنك أن تفوز بما ليس في قلبك، ودنيا الله تستحق أن تكون في قلبك، لأنها موضع امتحانك واستخلافك، اجعلها كما يريد الله عز وجل، في قلبك، هذا هو الطريق الوحيد إلى الآخرة، ليس من طريق آخر يا صديق.

 

عن سلسلة “لا نأسف على الإزعاج للدكتور أحمد خيري العمري”

تفريغ: فاطمة الزهراء داودي

تدقيق لغوي: آيت الله هيدور