حب آل البيت

146

حصاد العمر هو معان عميقة تشربتها في حياتي، بعضها ربما جاءت متأخرة، وبعضها كنت أعرفها وأنا صغير لكني لم أطبقها تطبيقا حقيقيا إلا وأنا كبير، وبعضها كنت طبقتها وأنا كبير، غير أنها لم تتعمق ولم تتأصل بشكل حقيقي إلا عندما مرضت مرضا طويلا كان فترة للتأمل، فالمرض أحيانا يكون نعمة من الله سبحانه وتعالى لنعود إليه ونستذكر ونتأمل، أو لعل الله يعطينا فرصة أخرى نستشعر فيها حصاد العمر فنستفيد منه أكثر.

ومن المعاني الرئيسية التي تعلمتها في حصاد العمر: حب آل بيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

الصراحة، أشعر أن الكثير من الناس لا يستشعرون معنى حب آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، والغريب أن هؤلاء الناس يصلون ويسلمون عليهم في كل صلاة حتى في النوافل، “اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد”.

أتذكر أنني في أحد المرات كنت أتحدث عن الموضوع، فقال لي أحدهم: “يا دكتور طارق، إن كلامك فيه تشيع”، فقلت: “وما علاقة هذا بالتشيع؟! فالمفروض أن المسلمين سنة وشيعة يحبون أهل البيت حبا عميقا، فالله تعالى أرسل إلينا هذا الرسول الكريم الذي أفنى حياته من أجلنا، وكان يتحرق خوفا علينا، }فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا{ (سورة الكهف، الآية 6)، أي مهلك نفسه من أجل أمته ومتحرق لأجلها، وهو لا يريد منا إلا شيئا واحدا، فكل الجزاء والشكور هو من الله عز وجل، }قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ { (سورة الشورى، الآية 23)، أن تحبوا آل بيتي وتودوهم، لذلك فأنا أحب أهل البيت بعمق؛ وطبعا الانتماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يكفي ليكون الإنسان بالجنة والدرجات العلا، فلا بد لهم كغيرهم أن يعملوا ويبذلوا ويتقربوا إلى الله عز وجل، “وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا” (رواه البخاري ومسلم).

وبالرغم من أنه كان من أهل البيت طغاة وفاسدون ومفسدون، لكننا نتكلم عن الصالحين من أهل البيت الذين هم قربى النبي صلى الله عليه وسلم بحق، فالكفر يقطع العلاقات، }إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ{ (سورة هود، الآية 46)، فالقربى يجب أن تكون لأهل البيت الصالحين.

مقالات مرتبطة

ويوجد علماء كبار في أمتنا من أهل البيت، كالإمام جعفر الصادق، والإمام علي الرضى، ومحمد الباقر وغيرهم؛ هؤلاء نحبهم لفضلهم ومكانتهم وعلمهم وتأثيرهم في الأمة، لكن أنا أحبهم لسبب آخر، وهو أني أحب النبي صلى الله عليه وسلم، أحبه بعمق وأحب من يحبه عليه الصلاة والسلام، وهذا من علامات الحب، وهي حب من يحب الحبيب.

النبي صلى الله عليه وسلم هو شفيعنا يوم القيامة جميعا، وهو سيشفع حتى لأهل المعاصي من أمته، فالمسلم الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم؟

لذلك فأنا يصعب علي أن أكره أحدا من أهل البيت، إلا من كان طاغية مستبدا، أما عدا ذلك فأنا أحبهم، ومن ذلك أني أذكرهم وأسلم عليهم وأصلي عليهم وأمدحهم دائما، وأحفظ لساني من الإساءة إليهم.

أحبوا آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأظهروا حبكم له، حفظكم الله.

 

عن سلسلة “حصاد العمر” للدكتور طارق سويدان.

تفريغ: معاذ الجاسني.

تدقيق لغوي: مصطفى الونسافي.