الاستخلاف كما لم تسمع به من قبل..

138

هناك بدأت قصة الخليفة عندما أعلن الرب للملائكة أنه جعل في الأرض خليفة. هناك علم الله آدم الأسماء كلها وأمر الملائكة بالسجود لآدم في جدول إلا إبليس أبى فأُخرج من الجنة مطروداً، و توعّد آدم وبنيه ليغوينهم أجمعين إلا عباد الله المخلصين، و هبط آدم للأرض التي قال تعالى إنه جاعل فيها خليفة حيث الاختبار، و من ثم إلى جنة أو إلى نار…

فما هو المقصود بالاستخلاف؟ وما هي الدنيا بالنسبة لبني آدم خليفة الله في الأرض؟ وما دوره فيها؟ وهل هناك سؤال أهم من هذا نسأله أنفسنا كل يوم من أيام حياتنا؟

الاستخلاف هو المفهوم الذي أُجزم وحُجِّر ليصبح مقصوراً على منصب الخليفة أو الحاكم، وصار الحديث عنه مقرونا بالحكم و الدولة، ولكن الاستخلاف قرآنيًّا أكبر بكثير من المفهوم الضيق الذي حُصر في السياسة.

الاستخلاف قرآنيًّا كما وصفه الدكتور أحمد خيري العمري في كتابه سيرة الخليفة القادم يساهم في وضع القيم المؤسسة للحضارة الإسلامية، فهو مفهوم عام تتكون فيه شخصيتنا وتُصبغ به حياتنا بكل تفاصيلها ومفرداتها من ألفها إلى يائها.

إنه نمط تفكير ونظام تشغيل يجعلنا نرى كل ما حولنا بطريقة مختلفة من أبسط الأشياء كعلاقتنا بالشارع العام وإلقاء ورقة مهملة فيه إلى أعقد الأمور كدورنا كأمة في إيجاد حلول لأصعب تحديات يواجهها إنسان اليوم، وما بين هذا وذاك من تفاصيل الحياة.

إنه نظام تشغيل يجعلنا نرى الحياة على حقيقتها التي خلقنا الله عليها لندرك بهذه النظرة الصحيحة الفطرية الربانية دورنا تجاه كل ما حولنا. إنها تحيي فينا مفهوم الأمانة، الأمانة التي عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان.

و بإحياء مفهوم الأمانة، سنتعامل مع كل شيء من هذا المنطلق، وسنسعى لأن نحسن استخلافنا في هذه الأمانة، عندها سنتعامل مع الجسد كأمانة فنحسن رعايتنا له و نحميه من كل ما يضره أو يؤذيه، عندها يصبح الحديث عن الأخذ بأسباب صحة الجسد من غذاء وشراب ورياضة جزءا من هذا الاستخلاف وصورة من صور العبادة، وعندها سيصبح التدخين والمسكرات والمنبهات والمخدرات جريمة في حق هذا الجسد وخيانة للأمانة، وعندها يستشعر المؤمن أمانة الجوارح ووجوب أن يحسن الاستخلاف في كل جارحة من جوارحه.

 

ترى هل أحييتُ الاستخلاف في عيني التي أبصر بهما؟ هل استعملتهما في الحلال؟ وهل غضضت بصري أم أطلقت له العنان؟ وهل فعّلتهما خير تفعيل وسخّرتهما في البحث والمطالعة  التفكير أم أرهقتهما في المتعة و التسلية وفي ما لا ينفع أو يفيد؟ هل أحسنت الاستخلاف في لساني وروّضته على كل قول سديد أم أطلقته في الكذب والغيبة والنميمة والسباب واللعان أو لغو الحديث؟

وكذلك الحال في سمعي، هل حميته أم جعلته عُرضة لصخب القول أو اللحن في مجالس السوء أو الكلام البذيء؟ وكذلك الحال في أطرافي، هل أحسنت الاستخلاف فيها أم هل مشيت على قدمي إلى معصية أو إلى باطل أو لوثت يدي في حرام أو كتبت بها كلمة عونا لظالم؟

وبإحياء مفهوم الاستخلاف، سنتعامل مع الوقت كأمانة، فنحسن رعايتنا له و تزداد قيمة إحساسنا بالزمن أضعافا مضاعفة على قدر استشعارنا و إدراكنا لمفهوم الاستخلاف فيه. عندها لن يتسلل الوقت من أيدينا في سفاسف الأمور والقيل والقال، وسيصبح لقتل الوقت معنى القتل للإنسان، وهل الإنسان إلا دقائق وثوان؟ كحبات رمل في ساعة الرمل، ما سقط منها لا يعود به الزمان.

وسيصبح المال بمفهوم الاستخلاف مال الله و نحن مستخلفون فيه ولا أكثر، فلا أحد يملك مالًا، وإنما كل مال بأيدينا إنما هو وديعة لا تدوم و ستعود يومًا للباقي على الدوام، للحي القيوم.

حقًا لو أنها دامت لغيرنا لما وصلت إلينا. واختبارُنا ودورُنا هو أن نعطي كل ذي حق حقه منها .

مقالات مرتبطة

عقلي وقلبي!

أزمة التثقيف

وعندما يعتقد الإنسان أنه المالك الحقيقي لهذا المال يصبح المال سيده و يصبح هو الخادم له، وبمفهوم الاستخلاف سيصبح للمال العام نظرة أخرى، فالأمانة هنا مضاعفة لأن الناس فيها شركاء غلض الشرع في عقوبة كل من فرط فيها، عندها سوف تتغير النظرة للمرافق العامة وسيصبح إلقاء ورقة في الشارع خيانة للأمانة وجريمة في حق المجتمع.

وسندرك حينئذٍ كيف جعل الإسلام إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان حفظًا للأمانة وحسن استخلاف في ملك الله.

وكذلك الحال في العلم. هو رزق وعطاء من الله وأمانة بين أيدينا نحن مستخلفون فيه، وزكاة العلم تعليمه، أما كتمانه فهو خيانة للأمانة. هنا نفهم قوله صلى الله عليه وسلم:”من كتم علمًا يعلمه ألجمه الله بلجام من نار”.

بمفهوم الاستخلاف سنتعامل مع كل من حولنا وما حولنا بمفهوم هذه الأمانة، مع أبنائنا وآبائنا وأصدقائنا وبيوتنا ووظائفنا وأعمالنا بل مع كل حياتنا.

فالفتاة التي سمعها سيدنا عمر وهو يتفقد الرعية ليلًا ترفض أن تمزج اللبن بالماء كانت في تلك اللحظة تمارس وتطبق دور خليفة الله في الأرض وقد أحسنت الاستخلاف، فالخلافة هي حال توافق العمل مع الدور الذي أوجبه الله للإنسان وائتمنه عليه ليقوم كخليفة الله سبحانه في الأرض. فإن العمار الحقيقي هو عمار الإنسان، لذا قال تعالى:”هو أنشأكم من الأرض و استعمركم فيها” و لم يقل سبحانه استعمرها بكم، فكل عمار في الأرض أو الحجر أو المال لا يكون من أجل عمار الإنسان فهو سوء استخلاف، بل هو دمار للإنسان، فعمار الإنسان هو الباقي الذي ينتقل معه إلى العالم الآخر، وأما أي عمار للأرض وحدها منفصل عن عمار الإنسان، فنهايته كما قال تعالى:”و إنا لجاعلون ما عليها صعيدًا جرزًا”.و هذا ما فهمته و طبقته الشابة بائعة اللبن، وسمعها الخليفة عمر فأدرك أنها أحسنت الاستخلاف بالذي بين يديها، فاستحقت بهذا العمل أن تصبح زوجة لابن الخليفة عمر، فزوجها ابنه عاصم، و شاء الله أن يخرج من نسلهما الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

الاستخلاف برنامج متكامل عندما نفهمه حق فهمه ونؤمن به إيمانًا عميقًا ونُصبغ به ليصبح نمط حياتنا فإنه سيغيرنا، سيعيد تنصيبنا كخلفاء لله في الأرض ببرنامجٍ لا تصادم فيه مع شيء من الكون، لأن الذي وضعه هو الخالق العليم الخبير.

أن تكون خليفة الله في الأرض أو لا تكون هو خيارك أنت، إن أحسنت حمل أمانة كل الذي جعله الله بين يديك من صحة ومال وعلم وعمر فقد أحسنت الاستخلاف فيها، فكنت خير خليفة لله في الأرض.

ليس مهمًا كم تمتلك من المال الصحة والمال والعلم والوقت وإنما المهم هو هل أحسنت الاستخلاف فيما آتاك؟ فلرب غني أحسن الاستخلاف في مال الله الذي بين يديه فأنفقه في خير ما ينفق المال، خير من فقير تمنى المال أن يأتيه ليسعد به وحده في صورة من الأنانية والأثَرة وهو أبعد ما يكون عن معاني الاستخلاف. و لرُب صحيح أحسن الاستخلاف في صحته عملًا و جدًا و كفاحًا في أوجه الخير، خير من مريض لم يزده مرض الجسد إلا سخطًا ومرضًا في النفس.

لقد خلقك الله لتكون خليفته في الأرض وهذه غاية خلقك، وجعل سبحانه عبادتك له متمثلة في حسن استخلافك في كل ما أعطاك .

“وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة فالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون”. فلنحسن الاستخلاف ولنُر الله من أنفسنا ذلك الخير الذي سبق به علم الرحمن والذي من أجله خُلق الإنسان.

 

عن سلسلة “ومحياي” للدكتور وليد فتيحي

تفريغ : رزان صالحة

تدقيق لغوي : آية الصابر