في طريقك نحو القمة

223
لقد تعلمنا العجلة في الأمور والتسرع في إنجازها حتى وإن كانت غير مهمة، لم نتلقن في صغرنا إحصاء الأمور وفرزها من خلال المهم إلى الأقل أهمية. لم نتعلم إعطاء الأولوية في الإنجاز للمستعجل من قضايانا اليومية، بل ولأننا من دول العالم النامي حيث يقل الوعي ويكثر الجهل وحيث يطغى على سريرة الأنفس حب المظاهر وحب الزوائل من الأمور الدنيوية وتذوب الناس في عشق الماديات غاضين الطرف عن فضل العلم وحب التفكر والتأمل بل والتشبع بقيمة الاجتهاد وملامسة حلاوته… حيث تطغى الضغينة ويتفشى الجهل وفقر العقول، وحيث تتبعُ عورات الناس شيء يمارسه كثيرون فعوض أن يركز كل منا على الصالح من الأشياء وعلى تنمية ذاته وتقديم مساعدة لمحيطه الخارجي وكذا الرقي به، أضحى أغلب الناس يركز عينه إن لم أقل جوارحه على الطالح من الأمور الدنيوية والتي لن تزيد جهله سوى عمقا وبالتالي ضياع العزائم واضمحلال كل شرارة أمل في المجتمع.

ولعل أحد أكثر العادات السوداوية والتي جعلت أمتنا تتذيل قائمة ترتيب الدول المتقدمة والمتحضرة هي أننا شعوب ينصب كل شغفها في حب الأمور الفانية والانغماس فيها. وهذا الأمر يجعلنا نصفق للباطل أحيانا كثيرة ونخاف قول الحق. وكما هو معلوم أن حب الأشياء دائما ما يكون مبنيا على قيمها الجمالية والأخلاقية واستنادا إلى ما تحمله بين طياتها من عمق وفن يغني رصيدنا لكن بالنسبة لنا نحن فإننا نحبها لثمنها وحكمنا عليها رهين بل لصيق بقيمها المادية.
ترعرعنا ونحن نرى بأم أعيننا أناسا يوقنون أن السب والشتم علامة قوة وأن الكلمة الطيبة عار وخزي، وتدل على مدى ضعف صاحبها وافتقاده للشجاعة، ترعرنا في مجتمعنا على فعل ما يفعله العامة فقط لِيَنالنا ما ينالهم، لم تُلَقّن نفوسنا الجيد من الخصال والحسن من الأفعال لذا أضحت بنية فكرية هشة وقاعدة عاطفية قاحلة، ما عرضها للفشل في أول فرصة حقيقية تم امتحاننا فيها. وما كان لهذا سوى أن جعلنا نكره الاختلاف ونعتبره شذوذا وتطرفا عوض أن نصفق له ولما يحمل في عمقه من إبداع ودهاء منقطعي النظير.
مقالات مرتبطة
إننا شباب هذا الجيل في مفترق طرق صعب، فقد ترعرعنا بين حقبتين زمنيتين مختلفتين وضاع الأغلبية بين هذا التنوع والاختلاف الكبير الحاصل. فإما أن تتبنّ التغيير وتلتحق بالنخبة أو تتبع ما وجدت من أعراف المجتمع القديم التي تأبى التحرر وتعتبره أمرا شنيعا يخافه الكل بل وتقشعر أبدانهم من ذكره. فإن كنت من الفئة الأولى فالتغيير لا يعني الانسلاخ عن هويتك وتقليد الغير ظاهريا ومظهريا، بل يعني الثبات على مبادئك الراسخة التي تنبع من رسالتك في الحياة وتساير زمانك بما يتوافق مع دينك وقيمك. عند اتخاذك هذا القرار ستكون مقبلا على مرحلة الحسم وستكون بصدد الدخول في أولى معارك الحياة وأشدها صعوبة، أول من سيواجهك هو نفسك… إن النفس عدوة المرء الأولى، فهي وليدة ما تربت عليه ذاتك وما تم تلقينه لك من خصال وعادات. وقد اعتبرت هذه المرحلة الأشد صعوبة لسبب وجيه واحد ألا وهو أن تغيير النفس ومجاهدتها لا يتحقق بين ليلة وضحاها بل يتطلب ذلك وقتا وجهدا نفسيا خصوصا لحظة مجابهة هذه النفس وحملها على تقبل قرارك بل وإرغامها على التريث والصبر. الأمر صعب ومضني ولكن الإصرار كفيل بجعل العملية سلسة وناجحة. فإن انتصرت على نفسك فقد نلت فوزا عظيما حتى وإن رأيت في أعماقك أنك لم تنجر شيئا فلتدرك أنك من القلة القليلة التي حاولت ولتعلم أنك تسلحت بالعزيمة وامتطيت صهوة الجواد بل ونزلت إلى ساحة الوغى عوض أن تلزم السكون وتركن للاستسلام.
بعد تجاوز النفس يأتي دور الغير في حياتك، خصوصا أن هناك فئة ليست بالهينة من أفراد المجتمع تتقوقع داخل منظومة من الوهم وتستمتع بعيش الحياة وفقا لأفكار متحجرة تصور لهم أن أي تغيير مخالف لما هو سائد هو ضرب من الشذوذ لن يأتي بالنتائج المرجوة ولن يحقق أمرا محمودا ولو واحدا. الأفضل أن يعمل الفرد في صمت وأن يدع إنجازاته وما حققه يتحدث عنه لقول رسولنا صلى الله عليه وسلم في حديثه: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سَتِيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْر”. أمر معلوم آخر ألا وهو تجنب الدخول في الجدالات العقيمة التي تجهد الطاقة والوقت ولا طائل منها يذكر وغالبا لن تقنع ذوي الآراء المتعصبين لرأيهم والذين قد يصيبون عزيمتك بالإحباط ولن يقابلوك سوى بالتنقيص من رأيك.
الصف الآخر هو أعداء النجاح الحقيقيين، وهم أفراد لا يعرفونك ولكنهم يكرهونك ربما فقط لكونك تفوقت في مجال ما ولأنك توقظ فيهم أنفسهم اللوامة بإنجازاتك وتدع الندم والحسد يأكل أرواحهم كأكل النار للهشيم فتصير أرواحهم صريما ورمادا ينفثه غبار الزمن، هم الذين يبحثون عن عيوبك ونواقصك وإخفاقاتك بشكل دقيق حتى يتأتى لهم أن يقنعوا من حولك أنك ناقص وهذا أمر إيجابي في حياتك ويدفعك على التقدم بل ويحفزك على إكمال المسير نحو مستقبل شامخ. وما دام أعداء النجاح يسخرون منك إلا لأنهم موقنون في سرائر أنفسهم أنك كفء وأنك تسير على خطى ثابتة. ويقول أبو الطيب المتنبي في هذا الصدد: وإذا أتتك مذمتي من ناقص…فهي الشهادة لي بأني كامل.
وأنت في طريقك للقمة تعلم أن السعادة في البذل والعطاء وتعلم عيش اللحظات بمشاعرك وقلبك فهي لن تعود وضع لنفسك هدفا أسمى من المال أو أي شيئ زائل حتى نفسك، تجاوز ذاتك فالدنيا فانية والحياة زائلة ولتعلم أن كل شيء أنت محبه أنت مفارقه، واعمل لدار البقاء وليكن زادك كزاد الراكب فرضى الله هو الباقي.