لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة

159

منذ فجر التاريخ والحياة البشرية مسرحٌ للمتناقضات، فيها ليلٌ ونهار، ظلمةٌ ونور، نجاحٌ وفشل، يأسٌ وأمل، ولكنّ بعض الناس ممن غاب عنهم قانون الحياة يقعون فريسةً لليأس ويستسلمون له، أما البعض الآخر فيقف كالسد المنيع في وجه اليأس واضعًا نصب عينيه أنه “لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة”، فالحياة واليأس متناقضان لا يلتقيان، فكيف يتجلى هذا التناقض؟

اليأس هو السلبية ورفض الوقوف أمام أحداث الحياة ومواجهتها، والتدثُّر بألوانٍ من الانسحاب، والقنوط، ورفض الرجاء ومخاصمة الأمل. واليائسون هم الذين يرفعون رايات الاستسلام والقنوط بسهولةٍ اعتقادًا منهم أن العقبات التي تعكر صفو مزاجهم لا سبيل لحلها ولا مخرج منها، فيُتَرجَمُ يأسهم من خلال إهمالهم لنظافتهم ومظهرهم الشخصيّ، ومن خلال الكلمات اليائسة التي تندثر على شفاههم، ترى على قلوبهم غشاوةٌ سوداء، فلا الشمس يصيبهم نورها ولا الوردة يصيبهم عبيرها، حتى إنهم لا يشعرون بلطف النسيم، فهم يفضلون الانعزال عن العالم بأكمله، فينقطعون عن عائلاتهم ويحبسون أنفسهم في قمقمٍ أسود، فيرمون أنفسهم في مهواةٍ سحيقةٍ، ويصبحون في عداد الأموات الأحياء، وقد يصل الأمر بهم إلى الهلاك، وخير مثالٍ على ذلك القائد هتلر الذي خاف أعداءه، فيئس ،فانتحر.

مقالات مرتبطة

إن الإنسان اليائس يجهل حقيقة الحياة، يجهل أن فيها محطات مظلمة وأخرى مشرقة، ويجهل أن السماء عندما تتلبد غيومها، إنما ذلك بشرى خيرات تصيب الأرض وتنبت الزرع، يجهل أن بعد الظلام نورًا، بعد الموت حياةً، وبعد الفشل نجاحاً، وهذا هو حجم القضية المخيف.
أما الذي يفهم الحياة بتفاصيلها، فهو الجدير بعيشها، لأنه يعي خير الوعي بأنه وُجد في هذه الحياة للعمل، وأن وجود الصعاب والعراقيل في درب الحياة أمرٌ لا بدّ منه، فالسهم كي ينطلق ويندفع بقوةٍ لا بدّ أن يرجع إلى الوراء، ويعي أن مفتاح النجاح هو الفشل، فهذا لا ينظر إلى الحياة إلا بمنظار الإيجابيّة، فيبصر في الزهرة عبيرها، وفي الشمس دفئها، وفي الليل نجومه، فينجح ويرتقي في عيشته وعلاقاته الأسرية والاجتماعية، فهو يسير في دروب الحياة مؤمنًا بأنّ الحياة واليأس لا يجتمعان، فأول دواءٍ يتداوى به المريض هو الثقة بأن الشفاء قادم، وأن الحياة لا بد أن تبتسم له من جديد، فهذا الدواء هو أفضل ما يمكن أخذه والعقاقير الطبية حتى تكون ناجعةً ومفيدة.

لا شك بأن الحياة دربٌ شائك، فيه الكثير من المطبات، وهنا يتجلى دور الإنسان الفطن في تذليل الصعاب ومواجهة العراقيل، فيواجه الصعاب برباطة جأشٍ، وبإرادةٍ قويةٍ وبعزيمةٍ صلبة، فهو يعرف أن حياته قائمةٌ على العمل والجد والمثابرة، وأن مقاومة اليأس لا تتم إلا بالأمل.

الحياة لوحةٌ فنّيّةٌ ألوانها التفاؤل والأمل، وأشكالها العمل، وإطارها العمر، وأنت رسامها، فمتى تكن متفائلا تزخرف لوحتك بالألوان الزاهية، ومتى تكن يائسًا مستسلمًا للمتاعب، تفقد اللوحة ألوانها ويطغى عليها السواد القاتم، هذه هي سنة الحياة، الأمل معمرها واليأس مدمرها، وما دام التفاؤل ومواجهة اليأس بهذه الأهمية، ماذا ننتظر لندرج في المناهج التعليمية ما يبعث في أرواح الطلبة الأمل والتفاؤل ليغدو المستقبل أفضل؟