السؤال

131

ما الجريمة التي يرتكبها عندما يطمع في المعرفة؟ وما العيب في السؤال عما جهله؟

إذا استمر الرفض كثيرا، فسوف يكف عن السؤال ويغط في نوم عميق.

إن السؤال جزء أساسي من خلق الإنسان، ومؤصل في فطرته؛ أنظر إلى الطفل كيف يفكك لعبته إلى أجزاء ثم يحاول إعادتها مرة أخرى بطرق مختلفة، فالشغف للعلم والمعرفة مزروع ومؤصل في صلب طبيعة الإنسان.

إنها الكيفية التي سأل عنها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام: {ربي أرني كيف تحيي الموتى}، فتأصل السؤال كأداة قرآنية بتفعيل مفهوم القراءة الشاملة للكون والخليقة والبشرية، فكانت النهضة لعقل الإنسان الشغوف التي تمثلت في ابتكارات واختراعات وأبحاث.

تؤكد الدراسات الحديثة أن الطفل في مرحلة ما قبل الدراسة يطرح أسئلته بمعدل 100 سؤال كل يوم، لكن المعدل في مرحلتي الابتدائية والمتوسطة يتناقص شيئا فشيئا في لحظة ما؛ وبسبب التعليم التقليدي يتوقف حماسنا لطرح السؤال والبحث والاستفسار، ويتوقف حماسنا للحياة بشكل عام.

ما الذي يحدث في المدرسة؟

التعليم التقليدي يكافئ أبناءنا على الإجابة عن الأسئلة لا على طرحها، وغالبا ما تكون الأجوبة وفقا لنماذج صارمة، بل ويعاقب أحيانا على كثرة السؤال، وهكذا يتقدم التعليم في مجتمعاتنا بخطى ثابتة إلى الخلف، لأنه ببساطة يخلق وراءه أزمة ثقة في قدرتنا على استكشاف الحياة.

ملايين الشباب والفتيات في عالمنا العربي والإسلامي يتخرجون كل عام من مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا في التخصصات العلمية كافة، ولكننا بالرغم من ذلك لم نستطع بعدُ أن ننهض ونلحق بقطار الحضارات، وعند قمع السؤال وحجر العقل أصبحت أكثر المقولات انتشارا: “السؤال بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار”، أو: “لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم”؛ وبذلك انحسرت حضارة الإنسان المسلم، وانحدر إلى مصاف المتخلفين في مؤخرة الركب.

أين هو عمر الفاروق رضي الله عنه الذي جعل من كثرة السؤال معيارا لاختيار المستشارين؟ فقد كان يقرب إليه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وكان يقول عن سبب اختياره له لا لغيره: “إن له لسانا سؤولا وقلبا عقولا”.

لا سبيل إلى إعادة هذا العقل الذي بنى الحضارة من دون الأداة الرئيسية لأمة اقرأ، ألا وهي السؤال. إن جذور كل أنواع المعرفة هي الشغف وحب الاستطلاع.

ليس هناك من شيء يحرر الإنسان أكثر من قدرته على تحدي الوضع الراهن الجامد، والإيمان أنه من خلال البحث والتحليل والاستكشاف والفحص والسؤال، يمكن أن نصل إلى عالم أفضل، فقمع السؤال هو قمع لعقل الإنسان وقمع لروحه.

 

عن برنامج “ومحياي” للدكتور وليد فتيحي.

تفريغ: أمال الكارح.

تدقيق لغوي : مصطفى الونسافي.