القرآن الكريم موسوعة من الكتب العظيمة

180

الحياة تأخذ منحى آخر، الأماكن تكتسي لونا شاحبا والزمن يقطع مسرعا لا يرحم أحداً، المفاهيم المغلوطة تثمر عن ممارسات خاطئة في شتى مناحي حياتنا اليومية والتي بدورها تحول كل فرد منا إلى شخص لا يشبه الإنسان. اليوم كل الأفكار النيرة والقائمة بذاتها تعطي تفسيرا واضحا لهذا الخلل، يتحدد في الابتعاد عن الدين الإسلامي والقيم والمبادئ الإسلامية التي تتسم بالأخلاق الحميدة والحسنة، والتي ترمز لحقيقة الإنسان ومفهوم الإنسانية، وحينما نتكلم عن الدين الإسلامي فإننا نتجه صوب القرآن الكريم مباشرة، لأنه آخر كتاب سماوي أوصى الله باتباعه لأنه يدعو إلى كل ماهو حق ويميز الخير والشر ويعطي لكل شيء مفهوما ثابتا وله قوانين وأحكام يراد بها الاتزان والانضباط لخلق مجتمع سوي، فهو كتاب كامل وشامل ليس به أية علة أنزل ليخرجنا من الظلام كلما انطفأ النور بقلبك.

هل تساءلت يوما ما عن سبب نزول القرآن؟ بلى فعلت، وبحثت عن الجواب كثيراً، هل سبق وأن قرأته و ختمته مرات؟ بلى أراك قد أقدمت على ختمه على الأقل مرة واحدة، حسنا هل سبق وأن تأملته وتدبرته وحاولت جاهدا أن تفهم معاني آياته ومقاصدها؟ أظن أنك اهتممت ببعض الآيات لكثرة تداولها، هل سبق لك أن صادفت كتابا مثله؟ وهل تقرأ القرآن الكريم اليوم كقراءتك المتأنية والمتدبرة للمئة كتاب للتحفيز والتغيير والإصلاح الذاتي حتى تبدل نظام حياتك ومناخها السيء، ولتصير كذلك شخصاً مؤثراً في المجتمع وقائدا جيدا؟ لا، وهذا يكسر القلب.

من الجميل أن تكون إنسانا مثقفاً وقارئا لكل كتاب يسقط بين يديك، لكن لا تكن قارئا ساذجا لأنك ستكون مسوقا رائعا، وسلية للربح والوصول إلى الشهرة، فالأغلبية لم تعد تكتب بأخلاقية وصدق فهي فقط تبتغي نيل ألقاب لا تستحقها، كن قارئا ذكياً يجمع الكل بواحد، لا ينظر إلى ما بيد الناس وعقولهم لكنه يتطلع إلى ما بيد الله وحكمته، القارئ الجيد هو الذي يتدبر كتاب الله خاشعا متأملا بعقله ووجدانه، يبحث عن تفاسير الآيات القرآنية ويحاول إدراك وتمحيص معانيها وربطها بسلوكه، فإذا هو فعل ذلك كان له فقهها وفضلها. القرآن الكريم ليس بكتاب فحسب، إنه كائن حي ناطق حكيم، ليس يكون ببلاغته كائن ولا بحكمه وعدله حاكم، ولا بمناهجه وأفكاره مفكر أو فيلسوف، ولا بعلمه ودقته عالم، ولا بتوجيهه وإرشاده قائد، فهو يتميز ببلاغة خاصة، وكتاب متوازن فكريا، غني لغويا حيث إنه ذو طابع نثري فريد، وقوي أسلوبا و منهجا، إنه لوحة فنية كاملة.

مقالات مرتبطة

لو قرأت كل الكتب بمجالاتها المختلفة، وهنا نتحدث عن الكتب ذات قيمة وجودة فكرية وأدبية بالغة فلن تجد نفسك قد أصبحت غنيا فكل الغنى أنك عندما تحمل القرآن تكون بين يدي الله وتغترف من بحر الحكمة والهداية والموعظة الحسنة. هذه ليست دعوة لترك القراءة بل هي دعوة للالتفات للكتاب المميز الذي تملكه لكنك لا تعي فضله وكرمه وإلى أي مدى قد يصنع منك إنسانا سويا متوازنا كما تشاء تماما، هذا الكتاب الذي تعجز عن اكتشاف كنزه بسبب تعلقك بالدنيا وانشغالاتها، والذي أودع الله فيه كل شيء من أحكام وإرشادات وعلوم متنوعة…

القرآن الكريم عبارة عن تصالات من الخالق والتي تتجاهلها لتتصل بالخلق، أرسلها الله لك لتتواصل معه في كل حين حتى يرشدك، ويعلمك، ويثقفك ويطمئنك لأنه يعلم أنك ستضيع كثيرا في هذه الدنيا لكنك تمضي غافلا، حتى أنك لا تتوقف لتنظر إلى أيامك المعدودة كيف مضت وكيف ستغدو ومصيرك في الآخرة كيف سيكون. أتساءل كيف ستصبح حياتنا لو وضعنا القرآن دستورا حقيقيا لنا، عدلا لن تؤول الأمور إلى ما هي عليه حاليا، كانت ستبدو جيدة جداً كزرقة وصفاء السماء بفصل الربيع، مذهلة حقا! لكن أسفا، فقد ابتعدنا كثيراً حتى تاهت بنا الدروب وأغلب القوم فقدوا ذاكرتهم.

أيعقل أنك كلما صادفت مشكلا استعصى عليك حله هرولت نحو كتب لا تزن نصف قيمة القرآن ظنا منك أنها ستريك طريق الحق وأصبحت بذلك ملاذك؟عذراً لكنك تسير بطريق لا يؤدي إلى التوازن النفسي، أنت تقرأ لأناس مثلك تماماً، هم فقط قادرون على استعمال عقولهم بشكل جيد يخدم مصالحهم الشخصية والتي نعلمها كلانا، أنت كذلك تستطيع أن تروي ما يقوله الآخرون وقادر على صناعة كتاب لك من خلال تجارب عشتها وتضيف إليها بعض الحقائق الكاذبة لتؤكد أقوالك. كل شخص منا قادر أن يصبح كاتبا، وناقداً، ومحللا…هذا أمر ممتع وجميل لكن من السيء أن نعيش كلنا بحكاية وتجارب متشابهة، ونغزل كتبا بالمحتوى ذاته حتى وإن اختلفت الطرق فنحن نسقط في نفس النتيجة دائما، وهذا ما أصبحنا نواجهه كثيرا فالنمطية تسود الأجواء الآنية. لهذا نجد تفرد القرآن بدلالاته وقصصه وإعجازه، والترابط القائم بين أجزائه شيئا مهما، في كل مرة تقرأه تقابل أفكارا جديدة تدفعك للبحث عن دلالاتها التي يغتني بها عقلك يوما بعد يوم. إنه ليس كتاب دين فقط بل هو موسوعة من الكتب العظيمة، مرتبة بشكل دقيق وواقعي، كل رف يحمل اسم سورة وكل حرف في السورة يعد كتابا، فماذا عن الذي صار يحفظ رفوفا عن ظهر قلب.