التدلي صعودا

103

ليس سهلا أن ترتقي إلى الأعلى.. ليس سهلا أن تصل إلى القمة.. ليس سهلا أن تتسلق الجبال الوعرة الشاهقة.. إنه لأمر صعب جدا، وقد يستغرق جهدك ومالك ووقتك وأعصابك، لكن الأصعب من كل ذلك، هو أن تصل إلى القمة فتجدها هاوية.. الأصعب من كل ذلك أن تصل إلى القمة لكي تلقي بنفسك.. هذا غريب جدا، ولكن كثيرا ما يحدث. كثيرا ما تكون الإرتقاءات صعودا إلى الهاوية، وكثيرا ما تكون الإرتقاءات غواية للصعود إلى الهاوية.

عندما نقول كلمة غواية، غالبا ما نعتقد أنها غواية جسدية، تتعلق بالجنس أو شيء كهذا، لكن أول غواية في التاريخ، لم تكن من هذا النوع إطلاقا، كانت غواية فكرية.

إنها غواية إبليس لآدم وحواء، وعن قصة خروجهما من الجنة. بما أغراهما إبليس؟ عندما قال لهما أن يأكلا من الشجرة المحرمة، وأن يكونا ملكين خالدين. أغراهما بملك لا يبلى، تلك كانت الغواية.

 ما هو جوهر هذه الغواية؟

إنه الترقي. أغواهما بفكرة الترقي، بمعنى أن ينتقلا إلى جنس الملائكة، إلى الخلود، أو إلى طبقة تملك أكثر. تقول الآية الكريمة: “فدلاهما بغرور”، أي أوقعهما فيما أراد من خديعة و”دلاهما” هنا تعني إدلاء الدلو، مثل التدلي بالدلو.

وهذا ما كان يحدث بالضبط. لقد تدلا بهما، أي جعلهما يتدليان إلى القاع. وماذا كان يقول لهما أثناء التدلي إلى القاع؟ كان يقول: “ملكين خالدين، وملك لا يبلى”. كانت كمثل الموسيقى التصويرية الملازمة لرحلة التدلي إلى القاع.

والحقيقة أن التدلي إلى القاع لا زال مستمرا، وبنفس الغواية، والموسيقى التصويرية الملازمة لهذا تكون مرتبطة بوعود كثيرة.

مقالات مرتبطة

عقلي وقلبي!

أزمة التثقيف

ما هي وعود اليوم؟

طبعا، لم نعد نسمع كلاما عن التحول إلى جنس الملائكة أو الخلود. لكن فكرة الغواية واحدة، ألا إنها التقدم، الترقي والتنمية.

من المهم أن نذكر هنا، أن الإستفادة من تجارب الشعوب والحضارات الأخرى، أمر لا يعيب إطلاقا، بل هو مطلوب شرعا. وقوله عز وجل: “وقل سيروا في الأرض” لم يكن لغرض التجوال والسياحة، بل لغرض دراسة التجارب الحضارية الأخرى.

لكن التدلي إلى القاع، لا يستهدف الاستفادة حقا من تلك التجارب، بل تقليدها سطحيا، أو تقليد القشور فيها. التدلي إلى القاع لا يحاول إغراء الجماهير بالعلم والدراسة والبحث العلمي والتقنية، وهي جوهر تقدم الغرب. فلا يمكنك أن تغوي الجماهير بهذا. لذلك تكون الغواية منصبة على القشور، على الملابس، على السهرات، على الإباحية، الخ. هذا ما يغوي الجماهير، وهذا ما يجعلهم يتدلون في القاع. تستطيع أن تقترح عليهم مثلا تفتيح البشرة لكي يتشبهوا بالغرب، وسيعني ذلك لهم تقدم، تنمية وترقي، وهذه طريقة من طرق التدلي إلى القاع.

بالتأكيد، يمكنك أن تستفيد من تجارب الحضارات الأخرى، لكن لا يمكنك أن تستوردها كما تستورد الكاميرات ومعاجين الأسنان. ستقول لي: “ولكن مجتمعاتنا مليئة بالمشاكل وهي ليست الجنة بالتأكيد”. هذا صحيح، وربما مجتمعات الغرب أفضل بكثير في نواحي كثيرة. لكن مسألة تحسين مجتمعاتنا لا تتم عبر تقليد الآخرين، بل عبر خوض تجاربنا بأنفسنا مع الاستفادة من تجارب الآخرين. الأمر مختلف تماما عن استنساخ التجارب الأخرى والتدلي في القاع من خلال تقليدهم.

فلنتذكر هنا أيضا، أن التدلي إلى القاع لا يكون عبر غواية التقدم إلى الغرب. أحيانا تكون هناك شعارات أخرى، تغازل ما فيك من حنين إلى الماضي العظيم. يقولون “خلافة”، وتتوهم أنك ستترقى بين الأمم، ولكنهم لا يعرفون عن الاستخلاف أكثر مما أعرف أنا عن اللغة الصينية، وأنا لا أعرف شيئا منها. وهذا بمثابة مشروع تَدَلٍّ إلى القاع، وغالبا ما تكون نهايته سيئة وكارثية، بحيث تكون دعاية مجانية لمشروع التدلي الآخر. قعرهم سيجعل قعر الآخرين يبدو كما لو كان قمة.

وأنت يا صديق، بأي دلو تدليت؟ من أي مدخل دخل لك إبليس؟ من مدخل الترقي والتقدم؟ من مدخل الحرية الشخصية؟ من أنك أهم شخص في حياتك؟ أم أنك كنت أسهل من ذلك، مجرد شهوة عابرة؟ لا تقل لي، فلا أريد أن أعرف. لكن أتمنى ألا تكون قد وصلت للقاع. وإن وصلت فأتمنى أن تتسلق مجددا، لأن القاع ازدحم، وثمة مكان خال في القمة ينتظرك.

 

عن سلسلة “لا نأسف على الإزعاج” للدكتور أحمد خيري العمري.
تفريغ : سارة الحجوجي.

تدقيق لغوي: آيت الله هيدور.