وُعود

281
‎الاهتمام، والحب، والثقة، والاحترام، وكلمات أخرى نقتبسها بعناية من المعجم، نستعملها ترليون مرة في كلامنا دون الأخد بها، أحبك ولكن أجرحك، ثق بي فلن أكلمك مرة أخرى، وعد لكن يمكن أن أتركك في منتصف الطريق، ليبقى السؤال المطروح: أنعرف المعنى العاطفي الحقيقي لهاته الكلمات؟ أنعرف عمقها؟ أنعرف تأثيرها على الأطراف الأخرى؟ والكثير من التساؤلات التي سأتطرق لها في هذا المقال.

‎في الإطار الاجتماعي الذي نعيش فيه، نطبق الكثير من القواعد وأنماط عيش تسمى تقاليد، وجدنا آباءنا يتبعونها، وقد تطرقت في مقالي السابق عن تأثير هاته الأخيرة على حياتنا، وفي الإطار نفسه نجد كل تلك الأبحاث والدراسات العلمية عن أهمية السيكولوجيا أو ما يسمى بعلم النفس، وجل البرامج التي تتحدث عن أهمية الصحة النفسية والعقلية ليكون الفرد بمستوى عاطفي وسلوكي جيد أو باختصار ليكون الفرد متوازنا.
‎تكمن المشكلة هنا، كون تلك الدراسات والأبحاث تبقى سجينة مصدرها، سواء كان هذا المصدر مدرجات الجامعات أو المقالات والصحف… حيث نجد أن هناك ثغرة كبيرة بين ما هو نظري وما هو تطبيقي، فدائما ما نعتبر أن الطفل مجرد شخص صغير لا يفهم شيئا، مجردا من الأحاسيس، لا يحق له الاختيار أو البكاء أو الغضب، وإذا فعل، فلا بأس في تركه وحيدا مع بكائه، ليصبح هذا الطفل مراهقا لا يحق له أن يتكلم في مواضيع تخل بالحياء، أو كما نقول: “حشومة”، فهو لا يزال يعتبر طفلا، عليه أن يكون بالطبع مجردا من أية عاطفة غير مؤمنين بوجود تغيرات هرمونية، وأن يتعلم أنه دائما على خطأ وأن الوالدين دائما على صواب، أن يتعلم أن الاعتذار للضعفاء فقط  وأن الوالدين لا يعتذران أبدا لأبنائهم كيفما كان الحال، عليه أن يعرف أيضا أن الرجال لا يبكون، لا يجرحون ولا يحسون فهم رجال، عليه أن يعلم أنه إن كان ذكرا فهنيئا له، له الحق في الاختيار واللهو واللعب كما يشاء، وإن كانت أنثى فنهاية كل امرأة بيت زوجها مهما كان مقامها في المجتمع.
مقالات مرتبطة
‎أعتقد أن لو كانت هناك نقطة مشتركة بينا نحن البشر، ستكون حتما إحساس خيبة الأمل، يكمن الفرق في عددها وقوتها، غالبا ما نمر بنفس مراحل الألم لكنني سأصفها من باب الفضول، فضولي وفضولكم. 
كلنا وعدنا ووعدنا، بعض الوعود حققت والكثير منها نكثت، تارة كنا الضحايا وتارة كنا المذنبين، القصة كلها عبارة عن دائرة مغلقة نتيجتها واحدة: الخيبة. 

‎كيف؟ يبدأ باختناق مع التنفس، ليليه الارتجاف خوفا من فقدان شيء مفقود، ثم بعد ذلك الصدمة التي تتركك مقيد اللسان، مكسور الجناح لا تعرف كيف تتصرف، أو ماذا تتوقع بعد ذلك. وبطرق مباشرة وغير مباشرة، نلقن أطفالنا أنه لا بأس بنكث هذه الوعود، وعود نعطيها حتى نتفادى نطق كلمة لا كأنها خطيئة غير مغفورة، ليكبر المراهق إلى شخص مشحون بأفكار خاطئة، لم تغد كذلك بل أصبحت مبادئ سيلقنها للأجيال القادمة، نكبر على كبت الأحاسيس، والطاعة لأشخاص وأمور لا صحة لها ليكون الحاصل مجتمعا غير متوازن، خليطا بين مكتئبين، مظلومين ومجروحين…، يتشاركون ذلك الألم العاطفي القاتل، ليجدوا أن الحل الوحيد لإيقافه هو الهرب منه بشتى الطرق كالموت، كما قال إدوارد مانيه: “لا أحد ينتحر لأنه يريد أن يموت، و لكن لأنه يريد أن يوقف الألم.”

 

‎وإني لأكتب هاته الأسطر وأنا كلي أمل في رؤية تغير الناس، والبدء في احترام مشاعر الآخرين، وتعلم الاعتذار، والحب، والثقة من أجل الخروج من قوقعة الظلام الحالك، كلي أمل في أن كل فرد منا سيؤدي وظيفته دون الحاجة للمراقبة، وسينقل للأجيال القادمة مبادئ مبنية على روابط متينة خالية من الحقد والكذب والوعود الزائفة.