كيف نقرأ القرآن؟

108

من المعاني التي تعلمتها من أحد العلماء الكبار في حياتي، معنى أسميته “كيف تقرأ القرآن؟”، وهذا من الأمور التي نفعتني كثيرا في حياتي، وخاصة في فترة مرضي، الحمد لله كنت أرتبط بالقرآن أكثر، وطبقت هذا المعنى فاستشعرته أكثر، ولذلك أحب أن أنقله إليكم.

كيف تقرأ القرآن؟

معظم الناس حين يسمعون بهذا يظنون أنك تتكلم عن التجويد وقواعد التلاوة، لكن الآن لست أعني هذا الشأن، ولا هذا العلم من العلوم التي أتقنها، إذ يوجد -ما شاء الله- قراء مشهورون في التاريخ، وفي الحياة اليوم فنانون في هذه المسائل ومبدعون حقا، حتى إنني أحب أن أسمعهم أكثر مما أحب أن أقرأ، فلا مانع إذا كنت أستشعر القرآن أكثر بالسماع من قارئ مشهور، أني أسمع سواء مع التتبع من القرآن، وهذا أفضل، أو حتى بدون تتبع، لكنني أستشعرها.

أنا شخصيا أقرأ القرآن بهذه الطريقة، بل أحب أن أسمعه بصوت جميل، حتى النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يسمعه بصوت غيره، إذ قال عليه الصلاة والسلام لأمية ابن كعب: “اقرأ علي القرآن”، فقال أمية: “يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟”، قال: “إني أحب أن أسمعه من غيري”.

لا مانع أن يستفيد الإنسان من هذا المعنى الجميل ويسمع القرآن، يقرأ القرآن بالسماع والقراءة أو بالسماع فقط، حتى يستشعر المعاني لأن الصوت الجميل وخاصة للمبدعين من القراء يجعل للقرآن طعما خاصا، مختلفا عن طعمه حين تقرأه لوحدك، فهذه واحدة من فوائد قراءة القرآن بطريقة مختلفة عما اعتدناه.

ويوجد أيضا معنى آخر في “كيف تقرأ القرآن؟”، فالقرآن -سبحان الله- نزل وفيه حاجات كل البشر باهتماماتهم المتنوعة وبطبائعهم المختلفة، والناس طبعا ليسوا بفهم واحد ولا لهم اهتمام واحد، فتجد فيهم الإنسان البسيط العادي الذي يتأثر بوصف الجنة والنار، ويبكي ويتأثر عند قراءة أو سماع الآيات التي تذكرها، فهؤلاء أقول لهم حين تصلون إلى هذه الآيات لا تستعجلوا، أي لا تقرأوا القرآن بسرعة، لكن عندما تصلون إلى الآيات التي تؤثر فيكم أكثر فاقرأوا القرآن بهدوء واستشعروا معانيه أكثر، ومن الجيد أن تعيدوا قراءة الآية أو سماعها عدة مرات حتى يحصل تدبرها بصورة أعمق، لأن الهدف هو هذا التأثير الذي يحدثه القرآن في نفوسنا.

عندما يصل القارئ مثلا إلى قول الله تعالى: }أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون{، هذه الآيات إذا قرأها الإنسان العادي يقول: “سبحان الله سبحان الله”، بينما الإنسان الذي درس المنطق وفلسفته يرى فيها قوانين الفلسفة وقوانين المنطق؛ يوجد قانون اسمه “الدور المستحيل”، هو واضح في هذه الآيات، وكثير من الآيات التي فيها فلسفة لا يدركها عامة الناس، ولا يدركها من لم يدرس الفلسفة، سيجدها في هذا.

ذات مرة، سألت أحد أولادي: “ما أكثر الآيات التي تؤثر فيك، هل تلك التي تصف الجنة وتصف النار مثلا؟”، فقال لي: “أكثر الآيات التي تؤثر في هي قصص الأنبياء”، فقلت له: “حسناً، الله سبحانه وتعالى أنزلها عبرة ودروسا ومعانٍ، عندما تصل يا بني إلى الآيات التي فيها قصص الأنبياء، تمهل في قراءتها، وكرر وأعد”.

أنا شخصيا، أكثر شيء يؤثر في هي الآيات التي تتكلم عن قدره الله سبحانه وتعالى، وصفاته وعظمته سبحانه، وخاصة الآيات التي تبدأ بـ: }ومن آياته{، التي يفهمها أغلب الناس فهما عاديا، لكن بحكم دراستي العلمية فإنني أسمعها في أعماقي بتصور علمي، وبالتالي استشعاري لمعانيها يختلف عن استشعار الإنسان الذي ليس له نفس التخصص العلمي، فعندما أصل إلى هذا النوع من الآيات أبطئ السرعة، وأزيد التركيز.

وهكذا نقرأ القرآن، وفقكم الله تعالى.

 

عن سلسلة “حصاد العمر” للدكتور طارق السويدان

تفريغ: المالكي خديجة

تدقيق لغوي: مصطفى الونسافي