لا ملجأ من الله إلا إليه

662

كانت الشمس متربعة في سماء الدار البيضاء في ضحى ذلك اليوم الخريفي الرائق. كان المسكين يسير تائها لا حول ولا قوة له. كان يسير في جنبات الطرق وسط ذلك الجيش العرمرم من الناس، ولا أحد يبالي بوجوده كأنه درهم في صحراء. كان يجول الشوارع لعل أحد المارة ينتبه لحاله الذي يدمي القلب ويبكي الحجر.

صعب جدا أن يكون المرء بدون مأوى يأويه وبدون عائلة تحتضنه، كان يلتمس في وجوه المارة إشراقة رضى وسرور تمنى ربعها فقط. كان يقف مشدوها أمام هموم وانشغالات الآخرين: شراء سيارة أو منزل، وغيرها من الهموم التي كانت بالنسبة له أحلاما بعيدة صعبة المنال والسبيل إلى وصالها مستحيل. كان همه الوحيد هو الحصول على لقمة خبز لسد جوعه وقطرة ماء فقط ليسد بها عطشه وخصوصا مأوى للتأمن فيه. كان هذا حلمه الوحيد أمام أحلام تجاوزت سقف تخيلاته، يا لسخرية هذه الحياة!

يئس المسكين من تجاهل الناس لحاله وأحس أن حياته ليست إلا قطعة صامتة لا يتردد فيها غير صوته يرتطم بالخواء. وفي طريقه انبعثت ألحان شاكية باكية فاستبدت به رغبة في البكاء، حين وجم من حاله، فهمى دمعه بغزارة. يا للضياع! حمل المسكين متاعبه الصغيرة منها والكبيرة، وتوجه صوب المسجد والدمع لا يكاد يغادر عينيه العسليتين اللتين يسودهما وميض شديد. غابت نظراته في فضاء المسجد، فصلى ركعتين، وردد في سجوده: رب إني أتضرع إليك بكل ما في قلبي من التوسل وما في روحي من الرجاء، يا مغيث أغثني، يا جبار اجبرني. خرج من المسجد وجلس أمام الباب، وراوده شعور غريب كأنه مزيج من الراحة والطمأنينة ورضى لا يعلم مأتاه. كل الأبواب أغلقت في وجهه، لكن باب الله باق لا يغلق، وجد مأواه أخيرا في قربه من ربه.

كنت أتتبع جميع خطوات هذا الرجل الهزل المسكين، أينما ولى أتبعه، تملكني فضول غريب، ووضعت كل خطط اليوم، التي بت أرسمها البارحة قبل نومي جانبا وراقبته حتى حط رحاله أمام باب المسجد، تبعته في جميع خطواته، بل صليت قربه وسمعت حتى همساته مع ربه. غابت نظراتي فيه وفي حاله.
انغمست بدوري في هذا الجو، وجلست أفكر في هذه الدنيا، أتمعن في حالي وحال الناس. كيف انشغلنا بمغريات هذه الحياة، وتهنا في اتباع شهواتنا؟ كيف نسينا ما خلقنا الله عز و جل من أجله؟ أجل، العمل عبادة، والدراسة عبادة، لكن أين نحن من باقي العبادات؟ أين نحن من العبادات الحقة؟ أصبح همنا الوحيد هو امتلاك الأراضي، وشراء أحدث وسائل التكنولوجيا، والأكل في أفخم المطاعم، واقنتاء أحدث السيارات…هدفنا الوحيد هو إرضاء غرائزنا وإشباع شهواتنا…لكن نسينا أو بالأحرى تناسينا إرضاء خالقنا، هجر القرآن، وقطعت الأرحام، وخلت المساجد، ضعنا في متاهات الحياة ونسينا قوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} متاع الغرور، نعم، حجبنا عن أنفسنا فوزا هائلا في قربنا من خالقنا، تعجبت ولا زلت أتعجب لحال هذا العجوز المسكين الذي أثار انتباهي وفضولي وجعلني أسمح في خطط يومي وأتبعه كي يعلمني درسا، دون علمه، كيف انقلب حاله من ضجر وحزن وكآبة إلى طمأنينة وراحة نفسية لا مثيل لهما فور خروجه من المسجد. وكيف صغرت في عينيه الدنيا عندما أدرك عظامة قربه من ربه! رؤيتي لهذا العجوز لم تأت عبثا، كأن الله بعثه لي ليفيقني من غفلتي، كأنه رسالة من رب العباد ليردني إليه، علمني أننا غافلين عن ذكر ربنا، تائهين في هذه الدنيا الفانية. رسالته وصلت بنجاح: لا ملجأ من الله إلا إليه.