أيها الكبار، دعوا الصغار يكبرون !!

90

قد نقبل _ تجاوزا و بحذر شديد _ أن يكون في حقل الإبداع الإنساني عموما، والأدبي خصوصا، كبير وصغير؛ أو بتوصيف آخر، محترف ومبتدئ. لكننا على العكس تماما، نرفض رفضا باتا وصاية هذا “المحترف” أو ذاك “الكبير” على أي مبتدئ، كما نرفض استتباعه بأي شكل من أشكال الطاعة والولاء، كيفما كانت سرعة هذا المبتدئ وقوة بداياته وانطلاقته في مضمار الإبداع الإنساني بأنواعه.

من بداهة القول التأكيد على حقيقة تشعب وتفرع وتنوع طرق الإبداع في شقه الأدبي، نثرا كان أو شعرا؛ فيكون من الطبيعي إذن أن يشق كل ذي قلم الطريق المناسب لميولاته الذاتية، ويختطَّ لنفسه الصيغة والنهج اللذين يناسبانه ثقافيا واجتماعيا وأيديولوجيا، بما يضمن له تأطير كتابته ضمن سياقات محددة ومفهومة أمام القارئ. لكن، لا يسع الكاتب أن يبلغ مرحلة “النضج” الأدبي، واحتراف لغة “الكبار” _ إن صح التعبير_ إلا بعد قطعه بلا شك مرحلة “الطفولة” و “المراهقة” الفكريتين، حيث لايزال الكاتب في مراحله الأولى من استكشاف عالم القلم والأوراق البيضاء، والاستعلام عما يمكن للقلم أن يخُطَّه من شعر ونثر. مازال في بدايات قراءاته الطفولية لشعر «نزار قباني» و «نازك الملائكة»، وروايات «أغاثا كريستي» و«نجيب الكيلاني»؛ ولم يبرح بعدُ ساحَ بدايات ترصيف الكلام وتنضيد المعاني وشطب الفكرة وتعويضها بأخرى؛ أما تمزيق الأوراق فظاهرة لم يسلم منها أي كاتب مهما بلغ حجمه وذاع صيته. يمكننا الدمغ إذن بأصابعنا العشرة على مجمل ما قيل، وتشبيه الإبداع بكرة ثلج، تزداد سرعةً وحجماً كلما مضى زمن على تدحرجها في منحدر ما، لتبلغ أقصى ما يمكنها بلوغه نهاية السفح المائل، حيث ترتطم بالسطح المستوي، هنا فقط تبلغ كمالها الأقصى ويتوقف كل شيء. فعلامَ هذا الكلام كله؟

وأنا أطالع بعض ما يُكتب على صفحات الإنترنت من تقارير لجان التحكيم في العديد من المسابقات الأدبية، يسوؤني حقيقة ما يقدمه بعض الذين يحسبون أنفسهم من كبار الأدباء والشعراء من ملاحظات عامة على إنتاجية بعض المبتدئين في ميدان الكتابة، معتبرين إياهم عالة على الإبداع، بل ووصمة عار على جبينه، وهنا أتذكر موقف أحد المشاركين في مسابقة “أمير الشعراء” الإماراتية، حين انتهره الناقد المصري « صلاح فضل» بقوله: “من قال لك إنك شاعر؟!”؛ ومثل هذا الحكم يقترب كثيرا من سابقه المتوغل في الماضي، حيث أوردت بعض كتب الأخبار أن النحوي البصري « أبو عثمان المازني » سمع مقاطع من أحد المبتدئين في تقريض الشعر، فرد عليه « المازني» قائلا :” الحمد لله أن أخرجته من جوفك، فلو تركته لقتلك !!”. فما عساه يا تُرى يكون إحساس من يُقصف بهذه اللغة وبمثلها أمام الملأ؟ وما عساه يكون مستقبل هذا الذي يتلقى من الشحنات السلبية ومن العبارات الهدَامة ما يجعل الجبال الراسيات تستحيل غبارا متطايرا؟

مقالات مرتبطة

لست الآن طبعا في مقام تقديم إجابات، فالأجوبة تبدو واضحة ولا تحتاج لكثير تفصيل، ولست أرى ناجيا من عقابيل تلك التساؤلات ومن تداعياتها إلا مُستثنىً تولاه الله بعناية خاصة؛ ولقد صدق « شوقي» حين قال :

قُـــــــوّةُ الله إِنْ تَوَلَّتْ ضعيفــــــــًـــــا /// تَعِبَــــــــــتْ في مِراسِهِ الأقويـــَــــــاءُ

في مستهل القرن العشرين، عزم شاعر ألماني شاب لم يبلغ ربيعه العشرين بعد، يُدعى «فرانتز كابوس»، على إرسال شعره إلى الشاعر المعروف وقتئذ «راينر ماريا ريلكه»، سائلا إياه النصح والرأي في قصائده، وهل بإمكانه مواصلة الكتابة أو التوقف تماما عن حمل القلم. فكانت المفاجأة أن يتلقى الشاعر المبتدئ ردا من العظيم «ريلكه» قال فيه :” (…) لقد أعدت – مثلما تلاحظ – كتابة رباعيتك، لأنني وجدتها جميلة وبسيطة، ووليدة شكل تنامت فيه بانضباط أخلاقي هادئ. إنها أفضل أبيات لك، تمكنت من قراءتها، وإني أسلمك الآن هذه النسخة، لأني أعرف جيدا أنه أمر مهم وتجربة جديدة، أن يجد المرء عمله الخاص مكتوبا بيد غريبة. اقرأ هذه الأبيات كما لو إنها ليست لك، وستشعر من أعماقك كم أنها أبياتك أنت. لقد كانت قراءة هذه الرباعية ورسالتك سعادة لي، فشكرا على هذه وعلى تلك.”؛ ولنا أن نتأمل هذا الرد مقارنة بسابقيه، ومدى الأثر النفسي الإيجابي الذي سينبعث في نفس «كابوس» الصغير، خاصة إذا تمت إعادة كتابة مقطع من قصيدته بقلم شاعر بحجم «ريلكه»!!. وغير بعيد عن هذا النهج و المستوى الرفيع من الخطاب و التواصل، ساهم العديد من “كبار” الأدب في إسداء النصح للمبتدئين و في تشجيع الجيل الناشئ على الاحتكاك بالكتابة؛ أمثال «تولستوي» و«تشيخوف» و«غوركي» و«والت وايتمان» و «طه حسين» و«ميخائيل نعيمة».. وآخرون بلغوا من الكبر الأدبي عتيا_ بمعيار جائزة نوبل _ البيروفي «ماريو فارغاس يوسا» في رسائله الشهيرة إلى روائي شاب، حيث كان يردد عبارته: ” كونوا وحيدين ولا تصدقوا الإطراء!”، بعيدا عن كل خطاب تقزيمي وأحكام تبخيسية قاتلة وعبارات الاحتقار والاستهزاء.

لا شك أن الكتابة الإبداعية الرصينة مرتهنة باستيفاء شروط عامة، تجعلها مقبولة التصنيف في حقول الأدب المختلفة؛ ولا شك أن الرداءة والركاكة و “الشخبطة” سرطانات بدأت تنخر جسد الإبداع الأدبي من أعلاه إلى أسفله، وذلك مردُّهُ لعوامل شتى يحتاج بسطها لمقام آخر؛ ومن المؤكد أن كل أديب بدأ يخطو خطواته الأولى في درب الكتابة الطويل والشاق، يحتاج لمن يدله على ما استُغلق أمامه من أبواب تستدعي أقفالها مفاتيح خاصة. فلكل لعبة قواعد خاصة وخارطة ينبغي اتباعها، وما الأدب بمعزل عن تلك القواعد، بالرغم مما يتيحه من فسحة منداحة من الحرية والاستقلالية. لكننا نؤكد على ضرورة مخاطبة الأجيال الناشئة بلغة محقونة بجرعات كبيرة من التشجيع ومن التفاؤل ومن تذليل الصعاب، كي لا نخسر المبدع بقتله مرتين _ كما كان «بيسمارك» يدعو جنوده الألمان بشأن الجنود الرُّوس _، أولا بإلقاء مسودات حروفه في أقرب قمامة على أنها لا تستحق القراءة؛ ثانيا بدعوة هذا الناشئ باحتراف شيء آخر غير الكتابة. هنا يتناسى أديبنا ” العظيم ” أنه ذات يوم كان يقضي الساعات الطوال جالسا على أعتاب بيوت “الكبار” يستجدي قراءة عمله وتلقي ما يرضيه من ملاحظات!

قد يغتر بعض الكتاب بإصدار مؤلف أو مؤلفين، وبتداول أسمائهم على إعلانات بعض الأماسي الأدبية هنا وهناك. كما يمكن للعُجْبِ أن يُساوره بلقاء إذاعي أو تلفزي، معتبرا نفسه قد ملأ الدنيا وشغل الناس، لكنه ومع ذلك، يفترض به النأي عن لغة الأبراج العاجية المتعالية، خصوصا إزاء مبتدئ يتلمس حظوظه الأولى مع الكتابة؛ ومهما بلغ امرؤٌ منا درجة من درجات الكمال، فالتمام لا يعقبه سوى النقصان، والكمال نفسه _ بتعبير الفرنسي «بليز باسكال» _ لا يخلو من عيوب.