الحب…بين اجترار الأفكار وجهل المعنى 

144

“حب”، تلك الكلمة التي نجدها منسوخة على كل جدار، ملوثة بتلك الأفكار البائسة التي تنتشي بها بعض العقول التي تجرعت من كوب السم الفكري وتدهور الوعي المجتمعي الذي ما لبث إلا وجعل تلك الكلمة من الطابوهات، حتى أن تقاليد وعادات أجدادنا قد جعلوا منها كلمة محرمة، وما تلبث أن يلفظ بها لسانك حتى تلتف حولك الأنظار وكأنك اقترفت جرما بحق من حولك..هذا هو المجتمع الذي عشنا ولا نزال نعيش فيه، كل الموازين مقلوبة على أعقابها، بل إن البعض منا قد جعل من تلك التقاليد عادة  فأضحى يظن بأن الإفادة في الإعادة، فاستمرت بذلك عقلية اللاوعي بالمفردات وبأهمية توعية أبنائنا بها..

إن كلمة “حب” من أسمى وأرقى المفردات التي لا تفتأ تراود الفرد حتى تبعث في نفسه الطمأنينة والثبات، وتحيي فيه الأمل، وتولد داخله سكينة لا تتخللها زلة تشاؤم أو زيغ…وهي من أقوى المفردات في اللغة العربية التي تعبر عن صدق الروح واستقامة المشاعر، وقد خاطب الله بها عباده في القرآن المقدس حينما قال: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} وقوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ}، وقوله عز وجل: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وقوله عز من قائل: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وغيرها كثير في كتابه تعالى تنشد قيمة الحب ومعانيه الصادقة…وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يخاطب أهله وأحبابه وأصحابه، وتوارثها جيل بعد جيل، غير أنها في نقلتها الزمنية قد تعرضت هذه الكلمة للتمزيق الفكري الناتج عن جهل المعاني واستدراك الأصول، فأضحت كلمة تدل على قلة الحياء وسوء التربية والأخلاق..

مقالات مرتبطة

فلو أن الإنسان اعتمد هذه الكلمة في حياته اليومية، لاستمتع بها دون أن تشوب نفسه ذرة غل أو حقد، فأن تكون طبيبا وتعالج الناس بكل رحمة وود فذلك” حب”، أو أن تكون أستاذا وتدرس طلبتك قيم الأخلاق وحسن المبادئ بكل ضمير حي فذلك “حب”، أو أن تكون مهندسا وتمارس مهنتك بكل مسؤولية لأنك تدرك أن كل خطأ صغير منك سيجني أرواحا أو مشاكل في حياة غيرك فذلك “حب”، أو أن تكون محاميا أو قاضيا وتعالج مشاكل الناس بكل ضمير وعدل فذلك “حب”، أو أن تكون تاجرا تبيع الناس ما تشتهيه أنفسهم من الخضار والفواكه، وتختار الطازجة منها لهم لكي ينعموا بها هم وذويهم والبسمة تعتري محياك فذلك “حب”، أو أن تكون شرطيا أو حارسا تحرس جاهدا على أمن الناس وعلى حفظ ممتلكاتهم فذلك “حب”، أو أن تكون خياطا تخيط ملابس الناس بكل إبداع لتجعلها أكثر أناقة فذلك “حب”، أو أن تكون فاعلا جمعويا تهب لمساعدة غيرك دون انتظار شيء في المقابل فذلك “حب”، أن تمر في الشارع وتبتسم لذلك الطفل الصغير الذي يبيع المناديل وتربت على رأسه بكل حنان فذلك “حب”، أن تلقى جارك العجوز كل صباح بابتسامة رضا وحسن لقاء فذلك “حب”، أن تعانق روحك روح إنسان آخر فتتشبث به وتتعامل معه بكل نقاء قلب وإخلاص فذلك “حب”، أن تحب إنسانة (تحبين إنسانا) فتدخل منزلها من بابه بحضور الأهل والأصحاب دون العبث بها أو بمشاعرها فذلك “حب” ، أن تصافح يدك يد أختك (أخيك) بكل أخوة ورحمة فذلك “حب” ، أن تقبل يد أبويك بكل عز وافتخار فذلك “حب”، أن تسجد لله وقلبك يهتف بالتوبة فذلك “حب”، أن تدعو وتتمنى الخير لغيرك فذلك “حب”، كل شيء يزهد بالحب، لأن هذه الكلمة أنقى ما يمكن للإنسان أن يتبناه في منهج حياته، فهي تعزز خلفية الإنسان وتحي ضميره في كل مرة، لأن التشبع بها يمنع صاحبه من أذية نفسه وغيره، ويحفزه على الاهتمام بنفسه وبغيره ويمنحه الرضا والتفاؤل بأن الخير لا يزال في الناس لأنه لا يرى منهم إلا الحب ويتعامل معهم بكل حب..

لقد حان الوقت لكي نزيل ترسب الجهل الذي غطى هذه الكلمة، لنتعلم أن نحب، أن نعمل بحب لأن الحب سيولد الإتقان، وأن نحب لكي نحب، لا أن نضرب أبناءنا أو نصرخ في ووجوههم إن هم نطقوا بها، بل يجب علينا أن نحارب الفكر الخاطئ الذي يحد معناها في الحوائط…فأن يربى الطفل على كلمة “حب” سيجعله أكثر صفاء ونقاء من أن يلوثها له شخص ما في المستقبل، فالطفل عقل صغير يلتقط إشارات تكبر معه يوما بعد يوم، إذا ما رأى حب وإخلاص والديه فإنه سيكبر وفي داخله اطمئنان بأنه سيلتقي شريك حياته ويحبه ويحبا أطفالهما بكل إخلاص، وإذا ما رأى إخلاص والده في عمله، فإنه سيكبر وفي داخله ضمير حي تجاه عمله، وإذا ما رأت البنت الحب في إخلاص أمها لأبيها وحفظها له في ظهر غيبه ورعايتها لهم فإنها ستكبر متشربة معاني الحب و لإخلاص والوفاء الذي سترعى به نفسها وبيتها في المستقبل، وإذا ما تلقى الطفل معاملة جيدة بكل حب من أصحابه ومدرسيه والمحيطين به، فسيكبر وفي داخله اطمئنان بأن الكل يحبه، وذلك سيعلمه كيف يتعامل بحب مع الآخرين وكيف يعلم أبناءه في المستقبل أن يحبوا الآخرين بكل احترام.

فلو أن الأم حضنت ابنتها وعلمتها كيف يكون الحب، ما كانت لتحب أول شخص سيلعب بحياتها ويتركها وردة ذابلة، لأنها تعلمت من أمها أن الحب أخلاق، واحترام متبادل وآداب، وأن الحب لا يكون في الخفاء، بل يشع نوره ليملأ الدنيا سعادة وفرحا، وما دون ذلك فهو ليس حب وما هو إلا ذلك الوهم السيء الذي حجب معاني الحب الراقية،..
ولو أن الأب علم ابنه كيف يكون الحب، ما كان ليعبث بحياة فتاة فقط لكي يمتع نفسه، وينتهي به المطاف ليخط على جدار مدرسته أن مجموع اسميهما يساوي حب، لأنه قد أدرك منذ صغره أن الحب لا يكون كذلك، وقد تعلم من شهامة والده أن الله قد كتب له لقاء فتاة واحدة سيحبها ويحميها ولن يرضى لنفسه أن يذلها أمام غيره، إضافة إلى أن وقته ثمين يجب أن يستثمره في شيء ما لا أن يضيعه في اللافائدة.