أزمة التثقيف

64

إن روعة البيان وسحر الكلام ليعجزان عن التعبير في هذا الموضوع الذائع، لأنه كُتب فيه الكثير من الكتب والمقالات وطوقته الأقلام أكثر من مرة من كل جانب، وما أنا إلا قطرة في بحر أحاول أن أستعير بلاغة القول، لأبين ٲًهمية هذا الموضوع في حياتنا الثقافية والاجتماعية وما له من انعكاسات على الفرد والمجتمع، فهو من المواضيع الشائعة التي تُعتبر من موضوعات الساعة التي شغلت بال المجتمع العربي دون جدوى، لأن الكلام الذي لا يلتمس له صاحبه عملا وتطبيقا يُعد من قائله ثرثرة وهذيانا فهو منه بمثابة المجنون الذي يجري وراء ظله ليمسك ب.

فمتى سنعقل أن القراءة ضرورية في الحياة؟ وبالقراءة تنمو الحضارات وتتقدم المجتماعات؟ وقبل هذا وذاك فنحن من أمة كان أول عهد نبيها بربها هو القراءة والقلم، متى ستصحو الأمة العربية من سباتها العميق وتعيد الاعتبار إلى أمجادها وعظمائها الأوائل؟

قبل الغوص في العرض سأنقل لكم كلاما لعله يثير فينا الفضول وحب القراءة، يُحكى أن الجاحظ “لم يقع بيدِه كتاب قطّ إلا استوفى قراءته، حتّى أنّه كان يكتَري دكاكينَ الْكُتْبيين، ويبيتُ فيها للمُطالعة، وكان ماهرا في قوّة الحفظ  وعالم بالشعر واللغة” بهذا الجد المنقطع النظير استطاع الجاحظ أن يخلد وراءه كتبا تعد مصدرا لكل من يريد سيادة القلم، فما من أديب أو كاتب إلا وتجده استقى من ينابيع الجاحظ الشيء الكثير، وذكر ابن خلدون -رحمه الله- في المقدمة أن كتاب الجاحظ  “البيان والتبيين”  يعد من الكتب التي هي من أركان وأسس الأدب.
فلا سبيل إلى التقدم والالتحاق بالركب إلا إذا كان ما نستقبل من أيامنا أفضل مما مضى، ولا يكون ذلك إلا إذا عدنا إلى رشدنا وصحونا من سباتنا وجعلنا القراءة مصدر حياتنا وفخر انتمائنا لهذا الدين، ولنجعل شعار يومنا هو: ” لاَ تَنًم بِنفس العقلِ الذي استيقظتً به” حتى نُمسك بسراج العلم والمعرفة ونشيح به في وجه العدو، ونغوص في عمق تراثنا وثقافتنا لنستخرج الجواهر المكنونة التي بها تقدم أسلافنا، ونعلن في وجه خصومنا أننا قادرون على الصمود أمَام زحفهم المستهدِف للعقول العربية والذي التجأت إليه “الدول الغربية” عندما وجدت الشراسة والضراوة في “الإنسان العربي” المدافع عن وطنه وتراثه خلال الحملات الصليبية.

مقالات مرتبطة

ولكي نمسك ببوارق النور والهدى فعلينا أن نــلتفت التفات المتعطش في الفيافي والقفار إلى عهد ربنا بنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- فكان أول ما خوطب به نبينا هو قوله تعالى: {إِقْرًٲْ بِاسمِ رًبِك الًذِي خًلَقَ…الًذِي عَلًمَ بِالْقَلَمِ}.
فلنجعل القراءة مبدأ أساسيا في حياتنا اليومية، وأن يكون ذلك عن طريق الإقناع لا الإكراه لكي يصمد الواحد منا حاملاً لعبء القراءة ومدافعا عنها أمام التيارات المنحرفة، وليكون هاجس الكشف والاطلاع وحب المعرفة يسكن في عقولنا ويجري مجرى الدم في أجسادنا، فإذا كان الطعام غداء للجسد فالقراءة هي غداء للروح والقلب معا، فالقراءة تلين الطبع وتروض العقل وتعين على المروءة وطلب الارتقاء.

ولنا في أسلافنا وعلمائنا القدوة الحسنة في هذا المجال، فكان همهم القراءة وحب المعرفة وبذل الجهود في الإبداع والابتكار وتكوين العلوم وتأسيسها حتى بلغوا بذلك الذروة، فتركوا لنا مكتبات زاخرة مملوءة بالكتب والمخطوطات المتضمنة للعلوم المختلفة في مجالات شتى، ولمثل هذا فاليعمل العاملون.
لما كان موضوع القراءة من المواضيع التي جفت فيه الأقلام وألفت فيه الكتب والمجلات، على منحى متداول بين الجميع معتمدين في ذلك على معطيات وتحليلات لا تعدو أن تكون من باب الاطلاع على هذه الأزمة التي نعيشها أو من باب تنمية الرصيد المعرفي، وقد لا تثير في المتلقي الحماس والنهوض، لكون المعطيات المعتمدة على الأرقام تفاجئ المتلقي وتقتل فيه حب النهوض لكونها تقارب الصفر، فقد يعكس هذا المنحى المعتمد على “لغة الأرقام” صورة سلبية لدى المتلقي.
فوددت قبل إمساك القلم معاهدا نفسي على أنني في هذا النص لم أكتب على هذا النهج المبتذل المتداول، وإنما سأخالف المعهود وسأمسك بيد القارئ لأحلق به في سماء المجد، وعلى ضفاف تاريخ أسلافنا من الكتاب والأدباء.
وحسبي من هذا النص أن أثير في المتلقي شغف المعرفة وحب القراءة.