تزود غضبا…و انطلق!

77

تزود غضبا…وانطلق في ظل الضغط الذي أصبح الإنسان أسيره -نتيجة للمسؤوليات من متطلبات عمل وضيق وقت، أو متطلبات بيت ومشاكله، أو حتى اضطراره للتعامل مع من يعكر صفوه ويعارض طرقه وأهواءه- كثير من الناس فقدوا التحكم في أنفسهم وأصبحوا فريسة سهلة دسمة للغضب حتى في أبسط المواقف وأتفه المشكلات. فيقتحمهم الإحساس المدمر ذاك، متسللا إلى العقل ليلغي كل منطق، ومُستوليا على الجوارح ليأكلها أكلا، ولا يترك فيها إلا كل مسموم لاذع.

إنها اللحظات التي يرتفع فيها مستوى الأدرنالين والنورادرينالين فترتفع دقات القلب وتتسارع الدورة الدموية على غير عادتها
ليتأهب المخ للأمر بِرَدِّ فعل فوري فتتبعثر الحالة السلوكية والفيزيولوجية للإنسان.

“غضب” هذه الكلمة الهينة على اللسان، الكارثية النتائج، ما إذا استولت على الإنسان جعلت منه وسيلة إبادة للإنسانية والرحمة والإحسان. لحظته شيطانية سوداء تغلي غليانا، لا تريث فيها ولا حكمة. حتى إذا هدأ المرء تغير كل شيئ إلى غير عادته، وانقلبت لديه المفاهيم فأصبح كل شيء لا يستحق ما مُنح من جد. تجوف الحسرة كيانه حيث لا يرجع ما نُطق إلى اللسان ولا ما اقتُرف إلى العدم. هو آفة تستوجب إرادة عظمى لهزمها والتصرف بحكمة لحظتها، بل إنه لطاعون فتاك، ليس له دواء إلا مناعة صلبة تكمن في التحكم في النفس واتقاء شر خباياها، كما تكمن في اتقاء مُصابيه الذين يشتعلون لأتفه الأسباب.

مقالات مرتبطة


الغضب ينسيك روحك الجميلة وثوابتك وأخلاقك، وتصبح نفسُك لحظتها غريبة لا تعرفها ولم تكن لتعترف بها لحظة صفاءك، بل وقد يجعلك منك شخصا يسب ويلعن ويرمي بالكلام دون وعي بتوابعه. قد يخرب أو يعنف أو حتى يقتل إذا ما فقد صوابه؛ فكم في السجون والمستشفيات والمقابر من ضحايا أنفسهم الضعيفة لحظة الغضب؟! هم لم يقترفوا شيئا إلا أنهم سمحوا له بأن يلغيهم عقلا وجوهرا، وإنها لجريمة ارتكبوها في حق أنفسهم، فبسبب هِمَّتهم الضعيفة وانهزامها في هنيهةِ زمن أصبح الغضب سيدا وجعل منهم نارا ملتهبة تلفح كل من اقترب، حتى إذا انطفأت وعاد المرء إلى رشده كان كالرماد البارد الذي لا ينفعه ندم ولا حسرة. وفي المقابل قليلون أولئك الذين يحسنون ردود الأفعال لحظة الغضب. هم صفوة أتقنوا فن التحكم في الأفكار والأقوال فالأفعال.

لقد أدركوا خسائره الفظيعة ووجدوا لأنفسهم ملاذا يَقِيهم شره من خلال تجارب أو بحوث في دراسات علم نفس أو كتب دين أو اتباع تقنيات تنمية بشرية لضبط النفس. و قد قيل فيهم في كتاب الله العزيز :” الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” {سورة آل عمران الآية 134}. إذن لن نكون من ذوي الإحسان حتى نحسن لأنفسنا بالتودد والرفق إلى الآخرين. قد يحتاج الواحد منا الفرار إلى حيث الهدوء والارتياح كي يستطيع اتخاذ قرار بموجب العقل والوعي لا بالسرعة والاندفاع -وإن كان في نظر البعض هروبا وجبنا فقد يكون عين المنطق والحكمة- أو قد يجعل من الموقف امتحان بحث عن حل فوري ينأى به عن الخطيئة والضرر.

لم أجد للغضب مزية، كما لم ولن تُذكر له مزايا من إنسان عاقل إلا تخريبا لخلايا الدماغ وكسرا للكرامة وابتعاد المحبين أو فقدانهم إذا ما انجرحوا أو أُوذوا. وإني لأجد في التجربة خير معلم ودليل، إذ لا يضفي كل هذا إلا تثبيتا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سُئل النصيحة فقال: “لا تغضب” (رواه البخاري).