جيل الألفين، إلى أين؟

405

منذ أن فتحت عيناي على هذه الدنيا، وفوق مشارف هذا البلد السعيد، لم تحظ أذناي قط بسماع كلمة تقدير واحترام في حق جيل الألفين هذا ، بل على العكس تماما، يحتقره الجميع ويشمئز منه، ويقلل من شأنه.
لكن المؤسف حقا هو أن تكون واحدا من أبناء هذا الجيل المسكين ولا تجد ما تدافع به عنه؛ لأن كل ما يقال عنه في الحقيقة هو حقيقة لا ريب فيها (جيل طائش، وبلا مسؤولية، ومتخلف، ولا يستحيي، ومهمل، ولا يُعول عليه، وجيل لا يقرأ ، وعنيد، وعنيف، وبلا تربية…)

لطلما تمنيت أن أكون من أبناء الثمانينات أو التسعينات، وألا أنضم إلى القائمة السوداء، فالله وحده يعلم كيف سندفع ثمن استهتارنا هذا؟ إن لم نقل أننا سندفع الثمن جميعا. لأننا و بصراحة لسنا سوى نتاجا لتربية المجتمع، وضحية إعلام مفروض، ومقررات بغريرية، لذلك أنتم أيضا مسؤولون عن حالنا هذا (أسرًا، ومؤسسات وشارع..) .

ترى، ألم نأتِ إلى هذا العالم صفحة بيضاء فبدأتم تخطون عليها بأقلامكم البالية؟ أليس من الواجب عليكم أنتم أيها الآباء والأمهات أن تفكروا جيدا قبل أن تصفعونا بأحكامكم القاسية وأوامركم التي لا تنتهي؟ ألسنا أبناءكم وفلذة كبدكم؟ إذا فلماذا لم تمسكوا بأيدينا عندما كنا نغرق في بحر الإعلام الهدام فأفسد أخلاقنا، وأنسانا ديننا، وقيمنا وثقافتنا؟ لم تشترون لنا الهواتف الذكية وتتركونا معها لساعات طوال؟ لِمَ لمْ تعطونا كامل حنانكم، وعطفكم كي لا نضطر للبحث عنهما في مكان آخر؟! لمَ لا نحظى بفرصة لنظهر لكم مواهبنا الكامنة فينا؟ ألم يوصيكم الرحمة المهداة عنا قائلا: ((ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)).
ترى ماذا عن مؤسساتنا “التعليمية”؟ عنكم أنتم أيها الأطر “التربوية”!! لمَ تركتمونا ضحية للمناهج البليدة التي وضعها الأميون، ثم اكتفيتم بتلقينها لنا كما هي؟ لماذا أفسحتم لنا المجال لنتجرأ عليكم ونعنفكم داخل الفصول الدراسية؟ فحسب علمي، فأنتم تناط إلكم مهام التربية قبل التعليم ، ثم إنه من الواجب عليكم أن تكونوا أباء وأمهات بعد والدينا. ألم تعلموا بقول الشاعر: من علَم الناس كان خير أبٍ *** ذاك أبو الروح لا أبو النُّطفِ.

لا أريد إلقاء اللوم عليكم، لكنكم شاركتم والمجتمع برمته في خطة مدروسة وضعها مجرمون محترفون. فما عليكم الآن سوى أن تنتظروا الأسوء، نعم أسوء من هذا الحال.
أحقا تتنتظون منا أن نحمل الشعلة ونقودكم نحو مستقبل أفضل؟ أرجوكم، توقفوا عن تخيل هذه الأوهام؛ لأن شكلكم يبدو مضحكا ومثيرا للشفقة..
صدقوني، لن يكون ذلك مادامت المدرسة العمومية تعتمد على مناهج التلقين والحفظ دون أن تترك فرصة للتلميذ في التفكير والإبداع. لن يكون ذلك مادامت وزارة التعليم تنتج مقررات بحجم حاويات القمامة. من الصعب تحقيق ذلك والأستاذ لم يسترجع كرامته ومكانته السابقة، فقد قال أحد الشعراء:
إن المعـلمَ والطـبيبَ كـلاهما  ***     لا يـنـصـحـان إذ هـمـا لـم يـكـرمـا
فصبر لدائك إن أهنت طبيبه  ***     واصبر لجهلك إن جفوت معلما.
لا تحلموا بذلك أيها السيدات والسادة ونحن لم نتشبع بقيم ديننا الحنيف بعد. لا تتجرؤوا على أن تفكروا حتى، ونحن مازلنا ضحية لإعلام فاسد وضال، أرجو فقط أن تلزموا الصمت، ولا تزيدوا الطين بلة، لقد وضعتم أيديكم في جريمة عظيمة وذلك يكفيكم. لا أعلم كيف خدعتم بهذه السهولة؟ كيف تخليتم عن أدواركم بهذه البساطة؟!

مقالات مرتبطة

كبيرنا الآن يبلغ التاسعة أو الثامنة عشر، إنسان بلا شخصية، يصعب عليه التعبير بأسلوب راقٍ، أصبح السب والشتم عاديا في أحاديثنا، واللغة الوحيدة التي نجيدها وبإتقان هي الضرب، ورفع أصواتنا عن والدينا، ومدرسنا وعصيانهم وكأنه واجب علينا، من المؤكد أنكم تستطعون أن تميزوا رائحة الحقد الفائحة من قلوبنا، فأدمغتنا أكياس مملوءة بالهواء إن لم تكن مملوءة بعجين المقررات، وهؤلاء غالبا ما يحتلون المراتب الأولى في المدارس، إلا أنهم لا يستطعون الشعور بفرحة النجاح والتفوق الحقيقي؛ لأنه لم يأتِ من كفاحهم،  لا علم لنا أصلا بالكفاح، والطموح، والأحلام…ولا علم لنا بتلك التي تدعونها  “المسؤولية” والتي لطلما تفوهتم بها وكلكم غضب عندما تهمون للحديث إلينا. والبعض الآخر منا غالبا ما ينتهي به المطاف إلى الإدمان على المخدرات أو التفكير في الانتحار، لعله يجد عالما آخر يفهمه ويقدره.

الحقيقة مضحكة رغم مرارتها، أتأسف لكم يا أبناء جيلي لأن قلمي لم يستطع أن يكتب غير هذا. صدقوني، لقد حاولت التفاؤل قدر المستطاع لكن من دون جدوى.
لكن، أتصدقون إن قلت لكم أنني كلما تأملت واقعنا، وحاولت التنبؤ بمستقبل زاهر غالبا ما ينتهي بي الحال إلى طرح أسئلة  مشعة بالأمل، لا أعلم ما إذا كان الأوان قد فات على طرحها أم لا.
لكن يا إخوتي، هل من الممكن أن نصبح حقا رجالا ونساء، أتساءل ما إذا كان كل واحد منا قادرا على تأسيس أسرة كريمة في المستقبل؟ هل نستطيع أن نربي نحن بدورنا جيلا واعيا ومثقفا؟ أم أن فاقد الشيء لا يعطيه؟ هل سنصير حقا أطباء، ومهندسين، وأساتذة، ومحامين…أكفاء ومسؤولين؟ وما رأيكم إن قلت لكم أنه مع كل هذا، هنالك ما يدعو إلى التفاؤل يا أصدقائي…هناك نجوم سطع نورها مؤخرا ومن هذا الجيل.
لا شك أنكم تعرفون الصغيرة مريم أمجون، بطلة تحدي القراءة، والتي خطفت الأنظار بأسلوبها الراقي في الحديث، ولغتها العربية الفصيحة…وإليكم مريم وَكْريم هي فتاة في الثامنة عشر من عمرها، مدونة وناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي، استطاعت هذه السنة إصدار رواية لها بعنوان “لا تغفري”. تعرضت مريم للفشل مرارا وتكرارا، ومع ذلك لم تستسلم…تعرفت عليها مؤخرا عبر شبكة الفايسبوك، وهي حقا تمثل نمودجا للشابة الناجحة والطموحة، مريم تحلم أن تصبح صحافية مشهورة، خطواتها في مجال الأدب ثابثة ودقيقة، إلا أنه ومع كامل الأسف لا يزال الإعلام لم يسلط أضواءه على أعمالها الرائعة، ومن المؤكد أنكم سمعتم بالمبرمج الصغير ايدر الذي أبهر العالم بعبقريته في مجال المعلوميات، كما أنه يتقن اللغة الإنجليزية ومقبل على تعلم الألمانية أيضا.

أرأيتم! هناك أمل يسطع نوره من بعيد، نستطيع إعادة تربية أنفسنا بأنفسنا دون الاعتماد على أحد، نستطيع أن نحقق إنجازات مبهرة مع صغر سننا، صحيح أنهم رسخوا ثقافة الإحباط والاستسلام في عقولنا، لكن هذه مجرد خدعة خدعنا بها والمجتمع أيضا، ولتتأكدوا، أدعكم لقراءة سيرة الصحابة رضوان الله عليهم جميعا، وأن تطلوا على الأعمال العظيمة التي قاموا بها خلال فترة المراهقة، فعلى سبيل المثال، هناك الصحابي الجليل أسامة بن زيد رضي الله عنه، الذي جعله الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته قائدا لجيش المسلمين، وعمره آنذاك لا يتجاوز السابعة عشر، وقد خلد التاريخ سمه نظرا لإنجازاته الرائعة. وإليكم نموذجا مبهرا للأعمال العظيمة، إنه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس الذي أحس بالخطر على سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم، فبدأ بحفظ أحاديثه الشريفة وعمره لا يتجاوز الحادية عشر، هذا العمل الجليل، يجعلنا نتساءل  وبعجب كبير، كيف لطفل صغير أن يهتم بحال الأمة، ومستقبلها ثم يفكر بهذا المشروع العملاق؟ وأين نحن من هؤلاء؟

وقبل الختام، أدعو المجتمع بأكمله إلى أن يعيد النظر في قضية هذا الجيل، دون أحكام مسبقة، أسرا كنتم، أو مؤسسات، أو جمعيات أو أساتذة…أمسكوا بأيديهم، وأنقدوا ما استطعتم. لازال الآوان لم يفت بعد، صاحبوهم واسمعوهم واحرسوهم من الوحوش التي تتربص بهم، وعلموهم كيف يخطون على مناهج العاشقين والسائرين إلى الله، واهتموا بروحهم، وراقبوهم ثم قدموا لهم النصيحة بلطف، وحببوا إليهم قراءة الكتب، واصرفوا طاقاتهم فيما هو مفيد لهم، وأظهروا لهم حبكم وخوفكم عليهم.
وأخيرا…أرجوكم، لا تعيدو الكرة مع الجيل القادم.