الكتابة والكلمة… هما سر الحياة!

190
الكتابة والكلمة، كلمتان سيحط قلمي رحاله على مشارف بابهما المونق والبديع… هما كلمتان تكتسحان العالم وتحوطانه بل وتحتلان أصقاعه على نحو منقطع النظير… بالكتابة نسمو ونرتقي وبالكلمة نعبر عن ما يختلج صدورنا بل نبوح بما تحويه سريرتنا من تبعات الحياة وأعبائها.
الكتابة تعبد الطريق للعالم وتخلق متنفسا لساكنته. تمكنني الكتابة من المضي قدما في نسج عوالمي الخاصة وبطرقي المتفردة جدا. تعبد لي المسار وبفضلها أخيط أثوابا تجاوز صيغ الحقيقة بل وتلامس طيات الإبداع وتلتمس منه العذر كونها دقت بابه وولجت ساحته وتطفلت بكل جرأة دون أن ترسل سابق إنذار. الكتابة أو الكلمة، قد تكونان المكمل لكل ما لم يكتمل في بساط الحقيقة الفاتن، هما الوميض القرمزي الذي يكسر العتمة ويخترق ظلمة اليأس ويجعلها تنفلت من قبضة يد الخذلان والتراذل. الكتابة أو الكلمة سمتان من أجمل السمات التي تزين الدنيا وتأنقها بل وتكسبها طابع الجمال والنخوة. إنهما إكسير الخلود المثالي الذي يروي ظمأ من لم يسكت الواقع ظمأ عقولهم، من يبحثون ويبحثون دون كلل ولا ملل، من يتطلعون حماسا لمعرفة المزيد وحيازة أكبر كم ممكن من المعارف والحقائق، أولئك السالكون درب العلم والمعرفة والأدب. الكلمة مرتع لنا، والكتابة واحتنا الشاسعة التي لا نتقيد فيها بعذر معين، تلك التي نتصرف فيها على أهوائنا أحرارا نطير كالفراشات الملونة ونزين الجو بل ونملؤه عنفوانا وبداعة وبهاء. الكتابة مكاننا المفضل نحن من اخترنا لأنفسنا أنساقا مختلفة، نحن من نتمنى ونحلم دون توقف، نحن أولئك الذين تنأى أحلامهم نأيا عما يتداوله عامة الناس، نحن الباحثون عن المثالية والحب والنقاء، الذين لا تأخذنا طرفة عين في إكمال المسير وشق مسار مغاير مرآه أن يرى نور العلم الآخاذ ومقصده بلوغ رزمة البلاغة والفن والنبالة. هناك لحظات عندما لا يسير كل شيء على أكمل وجه ووفقا للمنهج الذي نبغي. حينما نظن أن القدر باع أحلامنا بثمن بخس، حينما تخيب ظنوننا وتتوارى آمالنا بل ويندثر صبرنا فيقطع رأس عزيمتنا بالمقصلة وتضرب روح إصرارنا بالمعول ضربا مجحفا يردينا أرضا ويبطش برؤيتنا وبصيرتنا فنبيت فاقدين للشهية في المواصلة. نسير حينئذ دون المصير نلتطم مع الحيوط ونندس وراء القضبان ونقيد كفوفنا بالأغلال ونربط أذرعنا بالأصفاد. فنغدوا هشيما تتناثره الرياح سهوكا تارة فسهوجا تارة أخرى. تبطش بنا حرب ضروس ومعمعة بسوس يتضارب بفعلها الجحفلان المتنافران. نجلس القرفصاء ونرضى بما حل بفكرنا من ظلم وإبادة في منظر الدميم البئيس. فما هو مصيرنا بعدها؟ ماذا عسانا نفعل؟ تأتي الكلمات على صهوة جواد محملة بأرقى الشيم وأروع الصفات تهرول في مظهر يفيض هبة وشهامة كفارس مغوار عتيد وصنديد، تدخل أرضنا بمجد جامح وإرادة كاسرة والكل يقتنص المشهد في إعجاب وإثارة متناهيين. تجتمع الكلمات تلك وتصير صفوفا متراصة منتظمة محكمة الاتساق فنخلق منها كتابة تفتن بالعقل وتأسر القلب عن بكرة أبيه. كتابة نتغنى بها وننشدها كطير كروان يرنو إلى عش يفيض دفئا يريحه من وزر التحليق مع الطيور المهاجرة أو كطير سنونو ينشد تراتيلا كفيلة بإدخال البهجة والسرور على قلب عقيم وقاحل. كيف لا نحب الكلمات تلك وهي كانت نهاية البؤس وحدا للشؤم الذي حط رحاله في دواخلنا؟ تخرج الكلمات في صمت محير وجو غريب تعلوه انتكاسة تضخ في قلوب الشامتين بنا الرهبة وتبث فيهم الرعب فينتهون مذعورين ورعديدين. تطول المرافعة ويتم تقديم الدلائل والحجج والبراهين، ولولا الكتابة لطالت جلستنا في الجحيم المقفر ولأكلتنا القيود حتى يمسنا صدؤها فينتشر في أوصالنا ويحوط عروقنا. تحكم لنا كتاباتنا وكلماتنا بالبراءة. ونصبح أحرارا فتكون لنا عودة إلى الكتابة المجيدة والكلمة البهية. الكتابة أو الكلمة تسموان بنا إلى سابع سماء وتطيران بنا من سهول البؤس والفشل إلى جبال ومرتفعات النجاح والسداد، تسقياننا دما يعج بروح الإيجابية وحب العمل الدؤوب بل وتسربان إلى أنوفنا عطرا ما فتئه سوى أن يحرك دوافعنا فتجبر نفوسنا وتصير ذواتنا حرة قوية لا تنفك حتى تقوم إعوجاجنا وتردنا إلى أصح مسار وننزجر بفعلها عن الوقوع في هوة ذات قعر سحيق بل ونتخطى بفعلها كل الطرقات الوعرة التي تفتك بعزيمتنا، يقولون “النقاش يصنع الرجل المستعد، والكتابة تصنع الرجل الدقيق” أما أنا فأقول أن الكتابة أصل الحياة والسبب وراء الوجود، وبالنسبة للإنسان الذي لم يعد لديه وطن، تصبح الكتابة مكاناً له ليعيش فيه.

دون الكتابة أو الكلمة سنفقد نهجنا وسنضطرب بل سنصير عرضة للسقوط المتكرر وسيحدق بنا الموت الحقيق من كل ضفة وجانب. الكتابة أو الكلمة أتصورهما أنا في الإنارات البرتقالية التي تغطي جانبي كل طريق، ألتمسهما في حب الأم لرضيعها وخوفها عليه، أراهما في تحفيز الأب لابنه والدعاء له بأن يحقق مبدأ الرجل الصالح الذي يتفانى في خدمة أمته. الكتابة أو الكلمة أنتشي بهما وبسحرهما المتناغم، أسمعها على شكل أغنية تسافر بي إلى الأيام الخوالي وترجع بي سنوات إلى الوراء فأطرق باب الذكريات وأنفث الغبار المتناثر عليها فأحييها وأحتفل بها. كتاباتنا وكلماتنا هما الملاكان اللذان يعصماننا من الذنوب والمعاصي، هما الشخصان اللذان يحرضاننا على مواكبة ومسايرة ضغوط الحياة والبطش بها وعدم الإنحناء لها أو أن نبدو لها فريسة سهلة تجثو عند أقدامها. الكتابة هي دفعتنا التي ترينا الخطأ من الصواب ومن الوهلة الأولى. الكلمة هي الزاد والتقوى وهي الكلأ الذي يذهب بأس جوعنا، ثم إنها صحبتنا والمرافق لنا في رحلة مواجهة الحياة ومجابهة أعبائها وتبعات تحدياتها. الكتابة أو الكلمة ترممان بقايانا المبعثرة وتجمعان فتات أحلامنا المتطاير وتنصباننا ملوكا على ذواتنا بل وتنتشلاننا لحظة الضعف فتشفيان سقمنا وتحثاننا على نسيان فكرة بسط الأذرع. تلك الكتابة هي تحفة نادرة وجب علينا حمايتها وجعلها تخدم مصالحنا، وتلك الكلمة هي ثقافة وروح وحياة، هي نداء لنا لإصلاح حيواتنا وتطويرها. الكتابة والكلمة هما كلنا وجزؤنا والفضاء الذي نحيا فيه أمما وشعوبا بصفات “إنسان”… فلتحيا الكتابة ولتحيا الكلمة!