مكان يختزل تاريخ الزمان

1٬108

لعله لا شيء أجمل، مع اقتراب نهاية موسم الصيف، أن تحظى بفرصة السفر إلى بلد قريب إلى قلبك هو تركيا، هذا البلد الذي دائما ما يكون للسفر إليه متعةٌ تختلف كل الاختلاف عن تلك التي أجدها في أسفاري إلى دول أخرى. والبلدان، جماليا وثقافيا وأمْنيا، تتفاوت، وهي في قلوب زائريها أكثر تفاوتا، وأشد تباينا. فكما أن أحدنا قد يصلي في مساجد لا تحصى، فحيث أدركته الصلاة دخل إلى المسجد القريب منه وصلى، لكن سيظلُّ يَشعر أن الصلاة في مسجد معينٍ، لها سموٌّ وذوق خاص. وقلْ ذلك عن غير المساجد، عن المطاعم والشواطئ، بل وحتى الأشخاص؛ فمهما كانت منزلة الناس عندك، يظل دوما لشخص معين مكانة خاصة، ومقام رفيع، يجعله مختلفا عن الآخرين، والسفر مثل ذلك.

السفر إلى تركيا يصدق عليه المثل المغربي الدارج: “لي تْلف ْشد لِيمْنْ”، فهي البلد الذي لا تحتاج إلى التخطيط الكثير إذا أردت السفر إليه، بل يكفي أن تحصل على التذكرة وتتوجه إلى المطار رأساً. وبوصولك إلى بلاد الأناضول ستكتشف ما يثير دهشتك ومتعتك، خاصة إن كنت من محبي المآثر التاريخية الجميلة المثقلة بالحمولة الحضارية والثقافية العريقة. في تركيا كل شيء مهيئٌ لإغوائك بالرجوع لزيارتها مرة بعد أخرى، انطلاقا من جوها المعتدل، مرورا بسياستها السياحية، وانتهاء بغنائها الحضاري والتاريخي.
تأتي الجمهورية التركية في المرتبة الأولى بوصفها أكثر دولة أجنبية قمتُ بزيارتها، فقد زرتها في أكثر من مناسبة، تتراوح بين خمس إلى ست مرات، وأكثر مدينة أزورها فيها، من غير شك، هي مدينة اسطنبول، وهي بالنسبة لي، وإلى حدود هذا العمر الذي أعيشه، هي أجمل مدينة زرتها في حياتي؛ تجمع بين الطابع الأوربي الحديث، والناس في أفريقيا وفي العام الثالث يحبون زيارة مثل هذه المدن، وبين الطابع الإسلامي العثماني الأصيل، والذي يشبهنا كثيرا، وهي المدينة الوحيدة في العالم التي تمتد على قارتين، بحيث نتحدث عن اسطنبولين: اسطنبول أسيوية وإسطنبول أوربية، وبينهما معبر البوسفور. اسطنبول التاريخ والعراقة، مدينة الألف مئذنة، تختزل تاريخا ممتدا عبر عصور ودهور كبيرة، فهي بيزنطا في القرن السادس قبل الميلاد، وهي القسطنطينية في العصور الوسطى، وهي اسطنبول الحديثة. ولها أسماء أخرى كثيرة في كتب التاريخ، كروما الجديدة، وأغسطينا وغير ذلك من الأسماء. وقد قالت العرب: إن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى غالبا. هذا التاريخ العريق الذي تحيل إليه معالم هذه المدينة ما يعطيها هذا العمق الكبير والآسر من بين سائر مدن العالم. لذلك، ورغم زياراتي الكثيرة لها، لم أستطع أن أستقصي كل الأماكن التي تستحق الزيارة فيها، ولا زلت أزور مناطق وأماكن جديدة كل مرة آتي لزيارتها.
بالرجوع إلى ملاحظة أنشطتنا في الحياة، سنكتشف أنه ما من شيء نقوم به لمرات عديدة، إلا وينشأ معه شيءٌ، نصطلح عليه عادةً بالتقليد، والتقليد هنا معناه مجموع الإجراءات والأعراف المتبعة للقيام بهذا الشيء على الوجه المقبول في تلك البيئة التي نقوم فيها بذلك النشاط. فهناك التقليد الاجتماعي، وهو مجموع الممارسات المسلوكة في مناسبة معينة، أو للقيام بنشاط معين؛ وهناك التقليد الأكاديمي وهو مجموع الإجراءات البحثية التي ينبغي اتباعها، أو الأعراف العلمية المتبعة داخل مجتمع علمي أو أكاديمي معين.
ولأن زياراتي لتركيا قد تعددت، فقد تشكّل عندي ما يُمكن أن أعتبره من تقاليدي التي أحافظ عليها في كل مرة أزور هذا البلد؛ وهذا التقليد يتمثل في البدء بزيارة منطقة السلطان أحمد، هذه المنطقة التي تتزين بالعديد من الجوامع والكنائس والمواقع الأثرية والحدائق وغيرها، وهي منطقة غنية جدا بقصص وإرث تاريخي عريق، تضم أهم المواقع الأثرية التاريخية الكبيرة ف تركيا: آيا صوفيا، والمسجد الأزرق، وقصر الطوب كابي أو متحف الطوب كابي، وكل واحد منها يختزن العديد من الأسرار والفنون والرموز التاريخية الكبيرة.
آيا صوفيا أكبر كنيسة مسيحية في العهد البيزنطي تم تشييدها في عهد القسطنطين العظيم، وتم الانتهاء منها في عهد الإمبراطور قسطنطينوس الثاني عام 360 ميلادية. وتم إعادة بنائها بعد تهدمها في مظاهرات نيكاب، على يد جوستيان الأول، بالطريقة التي هي عليها الآن، بعد أن تم جمع الأحجار والرخام وكل ما استعمل لبناء الكنيسة من جميع أنحاء الإمبراطورية البيزنطية، وكانت الغاية من تشييدها أن تكون مكانا مقدسا، و”آيا صوفيا” في الأصل كانت تسمى “سان صوفيا” وتعني بيت الحكمة الإلهية أو المقدسة، وقد بقيت أكبر كنيسة في العالم إلى أن جاء محمد الفاتح، الذي فتح هذه المدينة، وحولها إلى إسلام بول أو إسطنبول، وأقام المسجد مقام “آيا صوفيا الكنيسة”، لتبقى مسجدا في العهد العثماني كله إلى أن تم تحويلها إلى متحف في عهد كمال أتاتورك باني دولة تركيا الحديثة.
أحيانا، حين أكون داخل هذه المعلمة التاريخية، أتأمل في وجوه الزوار، وخاصة القادمين من أوروبا المسيحية، وألاحظ مظاهر التذمر والحسرة على وجوههم، وهم يستمعون للقصص التي يرويها لهم المرشدون السياحيون عن هذه المعلمة، وكيف تحولت من كنيسة إلى مسجد، بعد أن ظلت رمزا دينيا ومعماريا مسيحيا لقرون عدة. وهي الحسرة نفسها التي شعرت بها منذ 7 سنوات مضت، عند زيارتي لمساجد اشبيلية التي تحولت إلى كنائس ومتاحف إسبانية. وهي الحسرة نفسها أيضا التي شعر بها ابن الرواندي لما أنشد قصيدته المشهورة، يرثي فيها زوال الوجود الإسلامي بالأندلس، والتي يقول في مطلعها:
لكل شيء إذا ما تم نقصان … فلا يُغَرُّ بطيب العيش إنسانُ !
وهي القصيدة التي بث فيها حزنه وألمه من الحال التي صارت إليها الإسلام في ديار الأندلس، وكيف تبدّلت المعالم الإسلامية وصُيِّرت إلى أضدادها، يقول:
تَبكي الحنيفيّـةُ البيضاءُ من أسفٍ ** كما بكى لفراق الإلْفِ هَيْمانُ
على ديارٍ من الإسلامِ خاليةٍ ** قد أقفرتْ ولها بالكُفرِ عمرانُ
حيثُ المساجدُ قد صارتْ كنائسَ ما ** فيهن إلا نواقيسٌ وصلبانُ
حتى المحاربُ تَـبكي وهي جامدةٌ ** حتى المنابرُ تَـرثي وهي عيدانُ
فإذن لا غرابة أن تكون آيا صوفيا هي المعلمة الأكثر زيارة في تركيا، وذلك اعتبارا للمكانة العظيمة التي تنزلها في قلوب المسلمين و المسيحيين على حدٍّ سواء، ناهيك عن روعة بنائها الذي يمزج بين فن العمارة البيزنطية القديمة، و تقاليد العمارة الرومانية ببصمات الفنون الشرقية العثمانية. وأيضا بفضل هذه المعلمة، بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي لمدينة القسطنطينية، كانت هذه الأخيرة واحدة من العواصم الثلاثة للإمبراطورية الرومانية بعد روما وموسكو. وقد كانت الموقع الرسمي لإلقاء الخطب واستقبال الضيوف والوفود، لذلك حين تتجول هنا ستلحُّ علك أسئلة من قبيل: أين خطب القسطنطين بالضبط؟ وأين خطب جوستنيانوس؟


حين تتجول في آيا صوفيا، ستتذكر أن هذا المكان قد تعاقب عليه عدد كبير من الإمبراطوريين والقادة العسكريين وسياسيين كبار، في عدة إمبراطوريات وحضارات عبر التاريخ. فقد كانت أيا صوفيا شاهدة على خطب المسيحيين والمسلمين على حد سواء، فعلى مدار ما يقرب من ألف وستة مائة، مرّ من هذه التحفة المعمارية كبار رجالات الدولة المسيحية والإسلامية، قبل أن تتحول إلى متحف، يزوره الملايين من الناس، من كل بقاع العالم. وهنا درس تعلمنا إياه آيا صوفيا، وهو بقدر ما هو في غاية الوضوح بقدر ما نتناساه في كثير من الأحيان، ومفاده أن “الزمن يتغير، والأيام دُوَل، ولا شيء ثابت ودائم”. فمَقام الإمام قد يقوم فيه الراهب غدا، ومقام الراهب قد يقوم فيه الإمام بعد غد، بحيث يصبح هذا راهبا، وذلك يتحول إماما، وقد ينقرضان معا، ليصبحا مجرد فترة تاريخية يتحدث عنها المرشد السياحي للزوار في متحف ما في العالم في المستقبل.
بالقرب من آيا صوفيا يوجد قصر الطوب كابي وهو قصر كان يقطنه الخلفاء العثمانيين، في هذا القصر ستكتشف كيف كان الخلفاء العثمانيون يعيشون، وهو أيضا المكان الذي يوجد فيه العديد من المآثر الإسلامية من الصدر الأول للإسلام، ففيها توجد سيوف رسول الله وسوف صحابته، وكذلك عمامته عليه السلام، وخرقة أمنا فاطمة رضي الله عنها، وسيف الزبير، وسيف القائد الصحابي جعفر الطيار، ويقال أن عصى موسى أيضا كانت محفوظة في هذا القصر، وجزء من درع نبي الله يحيى، كما توجد فيه جميع الأسلحة العثمانية من السيوف الأولى إلى ظهور البنادق، وألبسة السلاطين وساعاتهم، ومنازل الخلفاء العثمانيين وبيوت جواريهم، وغير ذلك مما يُعطيك صورة كاملة عن نمط الحياة التي كانت تُعاش داخل هذا القصر في ذلك العصر.
بعد انتهائي زيارتي لقصر الطوب كاب، ذهبتُ فورا إلى واحد من أجمل المساجد في العالم، وهو المسجد الأزرق. في الواقع، في تركيا يشتهر مسجدان، مسجد السليمانية ومسجد الأزرق، وكل واحد منهما أجمل من الآخر. وطريقة الصلاة في المسجد الأزرق، ربما، مختلفة قليلا عن الطريقة المعتادة لنا في المغرب، فهي تتم بسرعةٍ ملحوظة، ويليها الكثير من الأذكار. الصوفية هنا في تركيا هم الغالبية في الشأن الديني، ولذلك يغلبُ على التدين التركي طابع التصوف.
وبانتهاء الصلاة في المسجد الأزرق ينتهي يومي الأول هناك، والذي كان حافلا حقا، وقد انتابني شعور هو أشبه ما يكون بالسفر عبر الزمن، ذلك أن التجول بين كل هذه المآثر التاريخية يتيح لك استرجاع كيف كان الناس يعيشون في تلك العصور، رغم طول العهد وتباعد الزمن. شعور جميل ستشعر به حين تقضي يوما كاملا في هذه المآثر ثم تصلي أخيرا مع سكان المنطقة العشاء في المسجد الأزرق، وكأنك تقوم بغسيل لروحك المتعبة، لتعود أكثر نشاطا وحكمة، وتدرك أن الأيام أيام الله، يداولها بين الناس، وأنت في هذا المجموع، ضمن هذه الحقب التاريخية الطويلة، لست إلا حلقة صغيرة، ما يَدفعك إلى أن تتواضع أكثر، وتعي وجودك وذاتك أكثر، وأن العالم الذي يمكنك أن تؤثر فيه هو عالمك الصغير، والتغيير يمكن أن تحدثه في العالم ينطلق من ذاتك، وعياً وتهذيبا وتزكية.
وعلى سبيل الختم يمكن أن أقول: إن مدينة اسطنبول أخذت من كل الثقافات، ونبعت من كل الحضارات، واقتبست من كلِّ مَن مرّ على أراضيها، وذلك سرُّ جمالها اليوم؛ وهذا درسٌ آخر تعلمنا إياه هذه المدينة، وهو أن التمازج سرٌّ من أسرار الكمال والجمال والإبداع. وقد نصَّ غيرُ واحدٍ على أن الإبداع يحصل حين يتمُّ الاغتراف من ثقافتين، ومن حقلين علميين فأكثر، فبعيدٌ في العادة أن ينجح الذي لا يحسن إلا فنّاً واحداً في الإتيان بشيء يُدهش أهل ذلك الفن، وذلك أن منظوره قاصر، فهو ينظر من زاوية واحدة، هي زاوية المتخصص في ذلك العلم. لكن الذي نجده أكثر وقوعا أن الشخص الواحد يؤلف في علمين فأكثر، ويأتي فيهما بأشياء لم يُسبَق إليها، وتحظى آراؤه بتقدير أهل التخصص في الفنين معا. والحاصل أن هذا التمازج الثقافي هو ما يضفي جمالا ورونقا على هذه المدينة، مدينة إسطنبول الفاتنة.